التخطي إلى شريط الأدوات
أخبار عالميةصدر حديثًاقرأتُ لك

الفرسان الأفغانيون.. سحر السهوب وعبقرية البداوة

 مغامرة على صهوة جواد جاب عبرها المؤلف أرجاء أفغانستان..

في عام 2002 نال الشاب الفرنسي لويس مونييه شهادته العليا من إحدى المدارس التجارية الفرنسية، لم يشأ عندها أن يسلك مشربًا تقليديًا في حياة وظيفية هادئة، بل قرر أن يخطّ لنفسه مسارًا مهنيًا استثنائيًا. هكذا لم يتردد في قبول العمل بإطار إحدى المنظمات غير الحكومية، ووجد نفسه مُكلّفًا بمهمّة في أفغانستان، وبالتحديد في منطقة “ميمنة” القريبة من تركمانستان. كان ذلك يعني الإقامة لفترات طويلة في تلك المنطقة، والتعرّف إليها عن قرب.

وعندما وصل إلى أفغانستان، بَهره جمالها، ووقع أسير حبّها، حيث اكتشف جمال سهوبها وجمال البدواة الذي يقترب من العبقرية كما يقول، وقرر أن يقيم ويعمل فيها ويعيش مع أهلها. كان ذلك بداية في إطار إحدى المنظمات الإنسانية غير الحكومية، ثمّ في العمل بمجال الإنتاج والإخراج السينمائي والتلفزيوني.

لقد عاش في تلك البلاد العديد من المغامرات، لكن المغامرة الكبرى التي قام بها لويس مونييه كانت في اجتيازه على صهوة حصان، وعلى غرار شخوص رواية “الفرسان”، الذين رسمهم الكاتب جوزيف كيسيل في العمل الروائي الذي حمل عنوان “الفرسان” عن أفغانستان في سنوات الستينيات المنصرمة، أي قبل زمن الحروب الأخيرة التي شهدتها البلاد بعد دخول القوات السوفيتية إليها عام 1979.

خرج لويس مونييه بهذا الكتاب الذي أسماه “الفرسان الأفغانيون”، ويصف فيه مغامرة ذهابه إلى أفغانستان من بدايتها، كما يصف البلاد وأهلها وعاداتهم وسلوكهم حيال الغرباء. ويحدد القول لأنها ذات أهمية استراتيجية منذ القديم حتى اليوم من خلال موقعها “على مفترق طرق؛ طريق الحرير ثم طريق المخدرات والغاز والبترول حيث إنها كانت منذ القديم مركز العالم”.

كانت الخطوة الأولى في مغامرة الرحلة الطويلة هي البحث عن حصان مناسب للقيام بالرحلة الطويلة وتدريبه للمشاركة في اللعبة، الحلم عندما تحين الفرصة. يكتب المؤلف بخصوص ذلك: “إن عملية تدريب الحصان للمشاركة في لعبة البوزكاشي ترمي فقط إلى جعله يقبل فارسه وتطوير كفاءته للمعركة. في أوروبا لا يؤخذ لغريزة الحيوان أي حساب من أجل تنفيذ الحركات والأفعال المطلوبة. لكن الأوزبك والطاجيك يحاولون الحفاظ على الجانب الوحشي، الغريزي”. وانطلق لويس مونييه من منطقة “ميمنة” في شمال البلاد، حيث أقام لفترة من الزمن حتى مدينة هيرات، الواقعة في غربها قريبًا من الحدود مع إيران وتركمانستان. ويحدد القول إن مشروعه في البداية كان القيام بالرحلة من “ميمنة إلى تبريز”، لكن الإجراءات الإدارية منعته من ذلك. كما يشير إلى أنه استفاد كثيرًا من كتاب رحّالة ألماني اسمه ترنكلر، الذي روى فيه تحت عنوان “عبر هيرات في أفغانستان” رحلته إلى الهند على صهوة جواد انطلاقًا من “هيرات”. وعن مساهمته الفعلية في اللعبة لاحقًا يروي لويس مونييه أنه أحسّ بفرح كبير عبر مشاركته في تلك الهبّات الجماعية التي تلبّي حاجة بدائية للحريّة المنفلتة من جميع القيود. وإشارته؛ “لقد نجحت في بعض الهجمات ولكن كانوا يخطفون منّي كل مرّة الطريدة قبل توصيلها إلى حيث ينبغي”.

لم يكن الأمر بالنسبة إلى مؤلف هذا الكتاب يتعلّق بمجرّد لعبة، ولكن أوّلاً وأساسًا إرادته خوض تجربة التعرّف إلى نمط عيش آخر غير النموذج الغربي و”نظراته الفارغة”. هذا ما يعبّر عنه بوضوح عندما يكتب: “أدرك تمامًا المفارقة. فالأفغانيون يتطلّعون إلى الترف الغربي بينما أريد الهرب من غرب مريض بثرواته”، ويضيف في السياق نفسه: “أفهم تطلّع الأفغانيين للترف وللكهرباء ولما يقرب من 150 محطة تلفزيونية، ولكنني أخشى أن يفقدوا جزءًا من روحهم. تلك الروح التي وجدتها في الحماس البدائي لتلك اللعبة، بوزكاشي”. وعبر تلك اللعبة الشهيرة لدى الأفغانيين أدرك مونييه حقيقة الذهنية الأفغانية، ذلك أن تلك الرياضة “تربط بين محبّة الجياد وتذوّق مقاربة المخاطر والمكانة الرفعية التي يولونها للشرف”. ويشرح أن ذلك الأمر لم يكن ميسورًا بسهولة، فهو يتطلّب الكثير من “التصميم والعناد والشغف والشجاعة، وقبل كل شيء المثابرة”.

أرض الشجعان

إن الكثير من صفحات هذا الكتاب مكرّسة بشكل خاصّ للحديث عن أفغانستان القديمة، العريقة، عن “هذه البلاد التي يفوق عمرها كل الأعمار، وحيث لا يتم الحديث من موقع الانتماء إلى قوميات، بل إلى شعوب. وهنا لا يتم الحساب بالكيلومترات، ولكن بعدد الأيام التي يمضيها عابرو الطريق للوصول إلى الوجهة التي يقصدونها. وعندما يفارق أحدهم الآخر يتبادلان القول: “زندا باشي؛ أي ما يعني (حافظ على حياتك)، ذلك أن الحياة محفوفة بالمخاطر”.

عبر قراءة هذا الكتاب يتعرّف القارئ إلى أفغانستان والأفغانيين “من الداخل”، بعيدًا عن الصورة القاتمة التي رسمتها لها ولهم وسائل الإعلام الغربية، ويقدّم لويس مونيين الأفغانيين باعتبارهم مجموعة من الشعوب التي “عرفت الحروب دائمًا، ولم تقبل الخضوع لأحد”.

المؤلف في سطLouisMeunierور:

يعمل لويس مونييه، مؤلف هذا الكتاب في حقل الإنتاج والإخراج السينمائي والتلفزيوني في العاصمة الأفغانية كابول منذ عام 2007، حيث قدّم عددًا من الأعمال، من بينها العملان الوثائقيان “سجناء الهملايا” و”7000 متر فوق الحرب”، وكان قد عمل قبلها كـ “دليل لمتسلقي جبال بامير” عام 2002.

les_cavaliers_afghansالكتاب: الفرسان الأفغانيون

تأليف: لويس مونييه

الناشر: دار كيرو، باريس، 2014

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

الوسوم
اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق