التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الرعب: ما بين الأزمة.. والإشكالية.. والهوية.. وأي شيء ينتهي بـ (..ـــية)

كتب: ياسين أحمد سعيد

عبر الهاتف، وجه لي الزميل الأعز/ سامح فايز عدة أسئلة:

هل سمعت قبلًا باسم الكاتب فلان؟ أو فلان؟! أو فلان؟

وكمواطن صميم، متشرب لتلك العادة التراثية المصرية المستفزة، كان حتميًا أن “أجيب على سؤاله بسؤال”:

– لا، من هم؟!

– (بغيظ) أنا الذي أسأل، إذا هل تعرف….؟

استمر في سَوق عدة أسماء متعاقبة حاولت ذاكرتي مضغها، لكن للأسف، لم أسمع بها قبلًا، لدرجة أن شككني فى أنني أجهل وأنكر ما هو بديهيًا.

لكن بحمد الله، أسعدني أن انتقل بالأسئلة لشيء استطيع أن أجيب عنه بـ “نعم”.

– هل تعرف (حسن الجندي)؟

– ومن الذي لا يعرفه؟! (معذرة، تلك العادة أقوى من أن تغادرنا!!)

– (سالي عادل)؟، (عمرو المنوفي)،…،….

واستمر في سرد أسماء لزملاء وأساتذة أعزاء، ختمها بأن شرح ما يقصده، أن جميع من ذكرهم من البداية للنهاية، هم أسماء لمؤلفين مشاهير، مع اختلاف العالم الذي يتوجهم كمشاهير.

وقبل أن أسرف في الدهشة، شرح الصديق سامح فايز فكرته، أن هناك ما يشبه الدولتين، أحداهما للكتابة الشعبية التى يكتب فيها الشباب للشباب، ويعرفون بعضهم بعضًا جيدًا، ودولة المؤسسة الثقافية الرسمية، التي تمارس نشاطها تحت قباب قصور الثقافة، وتحصد الجوائز، ويَعترف بها النقاد.

المفارقة، أن كلا من الدولتين له دائرته، وقواعده، ونجومه، وفي نفس الوقت لا يعرف -حرفيًا- شيئًا عن الآخر، مع أنهما يسكنان نفس الحيز الزمني والجغرافي.

وهذه بالضبط الفكرة التي فجرها سامح، عبر سلسلة من التحقيقات، احتلت صفحة كاملة من جريدة القاهرة على مدار أسابيع.

وفي تاريخ الثلاثاء 14 أكتوبر 2014، جاء موعد إلقاء الضوء على ضلع فرض نفسه على الدولتين، ألا وهو أدب الرعب.

طلب مني سامح كلمة للتحقيق، لكن ما شرفني فوق ذلك، تواجد أسماء لزملاء أعز في نفس الصفحة، الذين عرفت أنهم سيشاركون به أيضًا، بداية من: الكبير (حسن الجندي)، الزومبى طيب القلب (محمد عصمت)، المتألقة (سالي عادل)، ابنة عمي (منال عبد الحميد)، (عمر المنوفي)، الواعد (محمود خواجة).

استمر الجدل أكثر فيما بعد التحقيق، مما دعاني لكتابة نفس إفادتي به هاهنا، مع الاستطراد للرد على ما استجد من حوار.

بادئ ذي بدء: من شبه المستحيل أن تسأل كاتبًا عربيًا؛ (على يد من تشربت عشق أدب الرعب؟)، ويجيبك باسم خلاف د. أحمد خالد توفيق.

أنا شخصيًا ممن يؤرخون به، فأجد التسمية المنطقية الوحيدة لجيلنا هي (جيل: ما بعد د. أحمد خالد توفيق).

تستطيع القول أنه الجرافة التي مهدت الطريق في الوطن العربي، أما عن أصل الطريق نفسه، فموجود منذ الأزل.

حيث أن الخوف رفيق لصيق بالإنسان طوال حياته، كأحد أقوى المشاعر الفطرية.

وهكذا نجده حاضرًا أساسيًا في أعمق أعماق التراث البشري، منذ صور الحيوانات الخرافية على جدران الكهوف، مرورًا بأساطيرالحضارات القديمة، الملاحم، إلخ.

وبالطبع، حازت الحضارة العربية نصيبًا من هذه الإرهاصات، إذ نجد لمسته واضحة في رحلات (أحمد بن فضلان)، و(رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري عن رحلته بين الجنة والنار – استوحى دانتي منها فيما بعد ملحمته (الكوميديا الإلهية)-  بالإضافة إلى أطنان من رعب الجن والمردة الذى كان ضيفًا دائمًا على السيّر الشعبية مثل (الحصون السبعة) و(سيف بن زى يزن) و(حمزة البهلوان) وغيرها.

أما عن الرعب بمعناه المعاصر، لا شك نشأ ونضج في الغرب، بدءًا من الرعب القوطي الكلاسيكي في القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، ثم ربيع الازدهار مع ظهور المدرسة الرومانسية في الأدب، في هذا رد على من ينفون كون الرعب صنف أدبي، ويسطحون معناه في أنه استرسال نثري هدفه تخويف القارئ، وجدت أن الرد على ذلك يستحق كتابة قصة رعب في حد ذاته، وشرحت فيها مسألة؛ لو كان هدف كاتب الرعب هو تخويف قارئ، فلن يتعب نفسه في بحث وتجمع مادة علمية، وبناء قصصي وسردي،وغيرها من المراحل التي تستغرق شهور.

الأيسر أن نختبئ للقارئ في الشارع عند عودته ليلًا، ونفاجئه مرةً واحدةً: بخ!

نسي الجميع أن الرعب جزء من الرومانسية، وأنهما تبلورا من نفس العباءة، ظهرت الرومانسية بعد السأم من جمود المذهب الكلاسيكي، وتبلورت بمطلع القرن التاسع عشر، عندما نادى فرسان الأدب أن الوقت قد حان لمذهب جديد يتمرد على القولبة وقوانين الواقعية.

وصاغوا عالم موازٍ، تكون الكلمة الأولى فيه للمشاعر والأحاسيس الذاتية..

منهم من هرب إلى سماوات الحب بالأعلى، ومنهم من اختار التوغل في دهاليز الرعب بالأسفل.

لكنها شريكان في نفس الهروب، لذلك لا تتعجب عندما تقرأ في قائمة أعلام المدرسة الرومانسية أسماء لأساطين الرعب، أمثال أبو القصة القصيرة (إدجار آلان بو)، وخالدة الذكر (ماري شيلي)، والعَلَم (برام ستوكر).

إذا استبعدنا أدب الرعب، فيجب عليك حذف نصيب كبير من انتاج الأسماء السابقة من رصيد الأدب العالمى.

لماذا الرعب؟!

يقولون أن الرعب والفانتازيا نوعًا من الهروب، وبصراحة لا أعرف ما وجهة نظرهم في هذا الصدد، بالنسبة لي هو العكس تمامًا، اعتبره نوع خاص من أنواع (المواجهة).

عندما أواجه مشكلة في حياتي أصيغها في صورة مجردة فانتازية، وأترك رمزية المشكلة هي ما يحركني نحو الحلول عبر موج أحداث القصة.

طوال حياتي استعمل هذه الطريقة، ولكم ساعدتني في أن أتخطى أزمات عديدة، أو على أقل الفروض، ساعدتني في أن اكتشف آراء ومواقف كنت أخبئها عن نفسي، خوفًا من مواجهتها بها.

– سبب شخصي آخر: ألا وهو انتمائي لقرية في أقصى جنوب الجنوب (أسوان)، عندنا يتجسد انعدام تكافؤ الفرص في أجلى صوره، الهندسة، الطب، الخدمات، كل شيء، فأردت أن اختار حلبة تمنح فرص عادلة متساوية للجميع، فلم أجد أفضل من ميدان الخيال، وعند الوضع في الاعتبار التراث الشعبي الذى أحاط بي منذ مولدي عن (السعلاة، وحرس المقابر، إلخ)، كان طبيعيًا أن يأخذ الخيال صيغة الرعب.

حزمة اتهامات جاهزة:

حزمة اتهامات مستفزة يُواجه بها كاتب الرعب دائمًا، ثم لابد وأن يكون أول هو أدب الرعب يهدف للإثارة والتشويق، ويعتبر أدب شعبي pop art))، فضلًا عن نظرة البعض إلى أدب الرعب كـ (أدب تغييبي الذي لا يهتم سوى بالجن والعفاريت والأرواح، ولا يقدم أي فائدة حقيقية سوى التسلية وإزجاء الوقت).

وبالكاد نرى آراء أخرى تحاول أن تتعامل معه بطريقة أكثر تصالحية، وكمثال؛ انضم الرائد إبراهيم عبد المجيد إلى ساحة النقاش على موقع التواصل الاجتماعي، وعقب في نفس سياق النقطة السابقة على تحقيق الزميل سامح فايز:

– كل الدنيا فيها كتابات رعب وكتابات بوليسية وكتابات خيال علمي وهكذا، وكلها بتبيع قد الروايات الأدبية عشرات المرات، لا تضعوا شيئا مكان شيء آخر، الكتابة الروائية أنواع، والقراء أنواع، وتظل الرواية الأدبية أصعب وأقل جمهورًا في كل الدنيا، لا يعيبها هذا، ولا يعيب روايات الرعب أو البوليسية أنها سهلة وبسيطة ومسلية فقط، فهي لا تطمع إلى أكثر من ذلك، وهي عادة قراءة السن المبكر تحت العشرين.

وكلنا قرأنا أجاثا كريستي ثم كبرنا فتركناها للأصغر، لا عيب هنا أو هناك ويا رب الدنيا تبقى كلها كتابة من كل نوع “.

بالطبع كلنا نتوارى خجلًا أمام قامة مثل إبراهيم عبد المجيد، وانطلق اتفاقًا معه في أن كلمة (أدب شعبي) ليس سبة، التشويق واللغة السهلة ليس نقيصة.

أسأل الله -شخصيًا- فقط أن أكون كفئًا لها.

بخصوص اللغة، ليس من الصعوبة كثيرًا أن يستهلّ أي شخص عمله الأدبي بعبارات معجمية على غرار (استعرت الفيافي بقيظ أنّ له أديم الثرى، وناء له كلكل الظاعن الذي…)

بخصوص الشق الثاني أسمح لنفسي بالقول: أن هناك جزءًا ناقصًا من الصورة.

حيث يسبب المشهد الأدبي الحالي خلطًا نقع فيه جميعًا، فيحدث إلصاق بين مصطلح “أدب شعبي” بأنواع محددة (الخيال العلمي، الرعب، الفانتازيا، البوليسي).

في حين، ننسى جميعًا إمكانية وجود قصة تاريخية سريعة الإيقاع وسهلة اللغة، أو اجتماعية، رومانسية، إلخ.

وفي المقابل، يحدث أن نقرأ قصة الرعب ذات لغة جذلة، وعمق درامي/إنساني بليغ، لا ننسى أن القصة الفائزة بآخر جائزة البوكر كان الرعب والفانتازية خيطًا أساسيًا فيها.

الغرب سبقنا ومر بكل هذه المراحل، بدأ بالمجلات والكتب ذات الورق الخشن، ومستمرة إلى الآن، وفي نفس الوقت، مهدت الطريق من بعده لظهور روايات أدب رعب وفانتازيا إنساني.

مع ملحوظة أنني لا أدعي من قريب أو بعيد أنني من ضمن الفئة الأخيرة أبدًا، ومتمسك بأن أظل “حكاءً” لا أكثر ولا  أقل.

تنوع الاتجاهات ضروري، الخلل سيحدث عندما نتعصب لكاتبٍ ما، أو أسلوبٍ ما.

وننظر إلى ما عداها بدونية..

بالمناسبة؛ أنا أيضًا أمتلك اكليشهات جاهزة أستطيع أن اتهم بها الدولة الأخرى عندما تبدأ برفع نبرة الاستخفاف، فأجيب بما هو على غرار: ( أنت متعالي، أجوف، تستحق الرثاء  أنت ومن علمك أن “العمق” والثقافة مرادف لأن تكتب لغة معقدة وسياق سيريالي أعقد، وهو ما ينتج عنه الحالة المستعصية من الحيرقان التي نسمعها لك عن أن؛ “برب السماء كيف تحتل رواية (كذا) أو (كذا) قائمة الأكثر مبيعًا.. نحن في زمن العبث.. فليذهبوا ومبيعاتهم إلى سقر.. العامة من الناس لا يفهمومنني.. إليكم عني بغثكم، وكفاني أن أصلب أبد الدهر، لأنزف أدبًا حقيقيًا، ربما يغسلكم ذات يوم”.

ما سبق وأكثر، هي مونولجات جاهزة يمكنني سوقها لنقد سكان البرج العاجي، ومع ذلك لا أفعل، وأتقبل الجميع بصدر رحب، لأن الحياة تحتمل الجميع.. بل أن تنوعهم ضرورة.

في النهاية أؤكد أن؛ كاتب رعب لا ينتظر صك اعتراف من أحد، إلا احترامه وإيمانه لما يكتب.

العملاق نجيب محفوظ مثلا لم يعترف بأدب الخيال العلمي كأحد ألوان الطيف الأدبي أصلًا، وساق في هذا الصدد كلام مشابه لما نسمعه عن الرعب الآن.

وهو ما استدعى رد مطول مضاد حينذاك من رائد الخيال العلمي المغربي (عبد السلام البقالي).

ومع ذلك، من البديهى جدًا أنني أقرأ لنجيب محفوظ، ونتعلم منه كأيقونة للأدب العربي، الذي تقشعر الهامات أمام هيبة قلمه.

وفي نفس الوقت، هذا لا يمنع أن نحتفظ بخالص استنكارنا حول؛ كم كان ضيق الرؤية في رأيه ذاك!!

وهذا شيء طبيعي لأن أخر الأنبياء مات منذ نحو 14 قرنًا، ولا يوجد من هو معصوم القول بعده، لذلك لم يحجر رأي أديب نوبل على أن الخيال العلمي -حاليًا- تجرى حوله دراسات أكاديمية في كليات الآداب عربيًا وعالميًا..ويتم نيل الماجستير والدكتوراه فيه..

وهذا بالضبط ما يجسد ما عنيته أن الحياة تتسع للجميع، وأن أي قطار لا يتوقف أو يخرج عن قطبانه، لمجرد أنك تختلف حول رؤيتك لدرجته أو نوعية ركابه.

الرعب، كموضة؟!

(أما فيما يخص “هوجة” الرعب التي ألقت بظلالها بقوة مؤخرًا، فلست معجبًا بها، بل قل “منرفزاني”).

هذا الاقتباس لا ينتمي لأحد رجالات عالم الثقافة الرسمية، بل خرج على لسان الأب الروحي للدولة الأولى، د. أحمد خالد توفيق.

 الصفحة الأولى من جريدة القاهرة – عدد الثلاثاء 21/10/2014

وجاء ذكره في سياق حواره مع الزميل سامح فايز في جريدة القاهرة.

وفي رأيي، شعور العراب قد يكون مصيب تجاه من كتب الرعب من منطلق السير مع الموجة، أو بفرض حسن النية لنقل “تأثرًا لا إراديًا” بها.

لكن بفرض أنك وجدت اتجاه أدبي ما ينادي قلمك، في هذه اللحظة بالذات، وتصادف ذلك من أن هذا الاتجاه يشهد غزارة، فمن الخيانة لقلمك أن تترك ما تحسه، لا لشيء إلا عنادًا مع السائد.

يبقى السؤال البديهي:

– من الفيصل بين من كتب صادقًا، ومن كتب مقلدًا؟

الإجابة واحدة دائمًا وأبدًا:

– الزمن.

بمرور الوقت سيزوى العث، ويبقى ما يستحق البقاء.

حتى بالنسبة للغزارة، فلدي ميل فطري أن ننظر إلى الجانب الإيجابي منها، وهي أن الصورة ليست صحيحة بأن كفة إصدارات الرعب ثقلت، نحن بحاجة لأن نوسع زاوية الرؤية قليلًا، وسنرى أنها كانت مهمشة لعقود طويلة، وما حدث ليس سوى سنتيمترات بالكاد تحاول في اتجاه اعتدال الكفة.

مدونة الكاتب، لمن يرغب لمزيد من (ومضات) الخيال العلمي والرعب:

http://yassensaid.blogspot.com/2014/09/blog-post_7.html

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى