التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

بحجم حبة عنب.. عندما يخلد الإبداع الوجع

كتبت: نضال ممدوح

بعيدًا عن التصنيف النقدي تحت مسميات الكتابة النسوية وغيرها تكتب منى الشيمي في روايتها “بحجم حبة عنب” ذاتها الأنثوية بكل ما تحمله من تاريخ قهر المرأة الشرقية المصرية  خاصةً في الصعيد جنوبًا٬ تكتب الشيمي ما تعرفه واختبرته بحس ناضج تجربتها الأليمة٬ تكتب مواجهة الموت بمداد الوجع محنة أم تقطم ظهرها مأساة ابن في الخامسة عشرة من عمره أصيب بورم في المخ٬ لكنها تحول الواقع إلى إبداع متحدية عادات وتقاليد مجتمع مريض بالجهل والإزدواجية والكذب والغش والرشوة والمحسوبية تقهر المرأة وتحاصرها وتقتل أحلامها فنجد بطلة الرواية “منى” تعاني شيخوخة الروح وهي تراقب امرأة تشبهها في ملامحها الخارجية فقط وتمارس أدوارها الحياتية بآلية وجمود  تبحث عن مخرج بلا جدوى،  تقول عن نفسها: “ولدتُ فاهتمتْ أمي بتغذيتي فيما تعتقد أنه التربية، حتى سلّمتني إلى المدرسة التي لم أتعرف فيها إلا على القصص المثالية، وموضوعات الإنشاء عن عيد الأم والأسرة وحب الوطن، والتاريخ الرسمي المشرّف، حرص الجميع على أن أعيش على هامش الحياة (الحكي هنا يقع بين “الراوية” و”المروي له” ورغبة كل منهما في “فهم” ما حدث، عبر تفكيك الماضي وتحليله، وهناك أسباب أخرى للحكي، غير أنها ترتبط بـ “الراوية” أكثر مما ترتبط بالمروي له، منها الرغبة في التسلية وقتل الوقت المزامن للحدث المباشر المرتبط بمرض الابن، ومنها الرغبة في الهروب من الواقع: “لماذا أنت في واد وأبي في واد؟ لماذا تهربين من حياتك إلى كتابة القصص وخلق واقع آخر بعمل صداقات على الإنترنت؟”

عَمدت منى الشيمي إلى تقديم روايتها كجرعة واحدة مكثفة – على الرغم من طولها النسبي – فجاءت الرواية دون فواصل أو فصول، لجأت فيها إلى تفتيت الحدث والشخصيات، مما أدى إلى أن يقوم القارئ بتجميعها مما  منح الرواية عنصر التشويق، وجعل القارئ في حالة يقظة مستمرة، فضلا عن تخفيف جرعة القسوة أو مرارة الواقع، وكأنها تذيقه الدواء على جرعات محدودة، خاصة أن تلك الجرعات بلغت في كثير منها حد المرارة، ولكنها مرارة الواقع الكاشف عن فساد في الرأس، أدى إلى الانتشار في باقي الجسد، فأصبح المجتمع معطوبًا، والفرد مقهورًا وممررًا٬ تتقاطع رحلة مرض الابن “زياد” وعلاجه بالأحداث جميعها سواء، الشخصية والاجتماعية والسياسية٬ حيث ترتبط أحداث النمو العضوي والنفسي للابن (زياد) بأحداث ثورة يناير، ففي الجزء الأول من الرواية يتزامن نموه الذكوري وبلوغه مع قيام الثورة. وفي الجزء الثاني، ارتبط مرض زياد ببعض المطالب باستكمال الثورة، حيث تزامن (استئصال كيس ماء في جذع المخ يؤثر على الرؤية)، مع جُمعة الإنذار الأخير لإسقاط حكومة عصام شرف والمطالبة بالإسراع في محاكمة رموز النظام السابق. كما أن مكان علاج الابن هو المركز الطبي العالمي، فقد تم تسجيله به في 25 يوليو 2011، أي قبل وصول الرئيس الأسبق مبارك إليه بثلاثة أيام ليرقد في أحد أجنحته، وهو ما يجعل رحلة العلاج نفسها في قلب الظروف السياسية، مما يدفع إلى التأويل النقدي بأن صانعي الأمراض والمتسببين فيها، يرقدون إلى جوار نتائج سياساتهم.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى