التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“شوق الدرويش”.. قراءة مغايرة للثورة المهدية

كتبت: نضال ممدوح

بالرغم من أن النُخّب السودانية ترى الثورة المهدية صفحة من صفحات النضال ضد المستعمر الإنجليزي والتركي إلا أن رواية “شوق الدرويش” للكاتب السوداني “حمور زيادة” تُقرأ على نحو مغاير وبشكل مختلف الثورة المهدية ووقائعها وهو ما يُحيلنا إلى أهمية الرواية التاريخية عندما تشرح التاريخ٬ “حمور” يقدم المشاهد الإنسانية طوال الوقت لا تتحدث عن التفاصيل الكبرى التي يعجز التاريخ عن تأريخها٬ يطرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بإعادة النظر في التاريخ فقد ارتكبت هذه الثورة من المذابح والمجازر ما يحيلنا إلى الجرائم التي ترتكبها “داعش” الآن .

فالبداية تتزامن مع نهاية الدولة المهدية بمعركة كرري وخروج بطل الرواية بخيت منديل من محبسه وبحثه عن الانتقام ممن تسبب في حبسه وقتل حبيبته ثيودورا حواء اليونانية التي أتت مع بعثة تنصيرية فوقعت في الأسر وأدخلها سيدها الجديد قسرًا في ملته، وتم ختانها، ولكنها رفضت معاشرة سيدها، وتنتهي حياتها بالقتل مع مجموعة من الأووربيين لمحاولتهم الهرب إلى مصر٬ حياة بخيت منديل سلسلة عذابات من العبودية والأسر والسجن والاستغلال الجسدي من قِبَل سيده الأول الأوروبي. هذه الحيوات المتقاربة مأساويًا نحت مقاطعها السردية إلى إبراز كل حدث داخل البناء الروائي منفردًا، ولم يقتف السارد طريقًا محددًا للتقطيع السردي، بل لجأ إلى تقنية الفلاش باك السينمائية مع تسمية كل فصل عدديًا، وإلى اقتباسات نصية ذات دلالة للراوي الذي يستحضر في حكيه كل الحكايات القديمة مع انحياز مبدئي لسرد تاريخي محفوظ عن الدولة المهدية.

شخصية بخيت شديدة الشبه ببطل بهاء طاهر في روايته “خالتي صفية والدير” فما هو المنطق الداخلي الذي يجعله يستلذ العذاب؟ خاصةً في علاقته بالفتاة الأوربية البيضاء “ثيودورا” وهنا يستفيض حمور في وصف ملامح الفتاة الخارجية وهو أهم ما ترصده الرواية رؤية الأوروبيين للأفارقة والعكس يستدعي الصورة الذهنية التي رسمها الرحالة الأوروبيين والوصف السلبي المتبادل طوال الوقت في تجلي لنظرة المقهور إلى القاهر هذا الرصد يحيلنا إلى الدوافع غير المُعلنة للثورة المهدية حتى الآن٬ ثورة أسئلتها مفتوحة على أهداف دينية تأويلها وطنية أرتكبت الفظائع والمجازر تحت هذة الشعارات والأهداف الدينية.

تتجلي أهمية رواية “شوق الدرويش” من كونها تكشف تشابك علاقات القوى على المستويين الإقليمي والمحلي مُنذ اندلاع الثورة المهدية عام (1881) وحتى سقوط الخرطوم عام (1885).

“بالرغم من أن السردية ترتكز على التأريخ إلا إنها تنجح في تخيل عالم روائي كامل يموج بشخصيات تبدو مرئية أكثر من كونها مكتوبة٬ شخوص تكاد تقترب من كونها نماذج في العشق والفساد والتواطؤ والجشع “شوق الدرويش” ليست مجرد رواية عن الثورة المهدية كما يتصور البعض بل هي الرواية المهمشة والمعتمة عن مسار ومصير الثورة المهدية٬ فإن العثور على لحظة مكثفة تختزل العالم في عشر أعوام هي الحبكة الرائعة للكاتب في استدعاء الثورة المهدية، كما أن الرواية تُعيد كتابة النفس على مفردات متعددة مثل الحب والايمان والوجع والتصوف كما نجح “زيادة” في تصدير مدينة “أم درمان” كقلب للحكايات وعبر عن المتناقضات الموجودة بين الإيمان والكفر٬ لم يعتمد فيها الكاتب حمور زيادة على تقنية زمنية واحدة، فهو يستخدم “الفلاش باك” ثلاث مرات، ويستخدم أيضًا تقنية تجاور الأزمنة٬ ربما تبدو تلك الفوضى الزمنية ما هي إلا انعكاس لفوضى المرحلة التي تغطي أحداثها الرواية.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى