التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

الكتابة فعل حب

كتب: شريف ثابت

تقترب الكتابة من الحب في ملامح كثيرة أهمها في رأيي هي مرحلة الشغف.. الشغف في الحب وفي الكتابة هو المرحلة المبهجة، مبعث النشوة الحقيقية.. تلمس مواضع الالتقاء والاتفاق والاختلاف بين العاشقين، وما يستتبع ذلك من نشوة ورعشة وبكارة الاكتشاف..

نجاح وفشل الكتابة، الروائية تحديدًا متوقف في رأيي على طول أو قِصَر زمن الشغف، كعامل رئيسي من عوامل النجاح والفشل.. كلما طال زمن الشغف، كلما أتاح ذلك للكاتب إنجاز أكبر قدر ممكن من عمله الأدبي، ويسر له تجاوز الكتلة الحرجة، التي يصبح بعدها اكتمال العمل قصورًا ذاتيًّا، أو مجرد إغلاق الحلقات التي افتُتِحَت خلال المراحل الأولى والوسطى..

في الحب، متى زال الشغف، تحولت العلاقة لروتين ثقيل.. ينخرط الطرفان في محاولات يائسة لاستعادة الشغف البِكر.. يمثلانه تمثيلاٌ، قبل أن يملا أو يُرهَقا.. وتنتهي العلاقة للاشيء!..

كذا الأمر بالنسبة للعلاقة بين الكاتب وكتابته.. لو شاء حظه العاثر، وزال شغفه بكتابته قبل إنجازه للكتلة الحرجة منها، يُصبِح عمله محض روتين ممل، ومهمة ثقيلة يؤديها بلا روح، يمثل الشغف علي نفسه حينًا، ويكتب بلا شغف حينًا آخر.. وعندئذٍ، إما يتوقف عن الكتابة ويهجر المشروع الذي أنفق فيه من وقته ومن روحه (نهاية حزينة) أو يعصر على نفسه لمونة ويستكمل الكتابة بلا شغف، أداء واجب، فيخرج عمله الأدبي باردًا بلا روح ولا قيمة (وهي نهاية أشد حزنًا)..

الكتابة كالحب، تعذب صاحبها، ترهقه وتثقل روحه بقلق محموم لا ينقضي، وخواء قريب من الموت لدى توقفها، وفرحة ولذة لا يعدلها شيء متى طاوعته واستجابت له.. الكتابة إذًا الفعل الأقرب للحب، إن لم تكن هي نفسها فعل الحب..

– التجرؤ على الكتابة:

التجرؤ على الحب فعل مرتبط بالمراهقة.. المراهق ما بيعرفش الحب.. بيجن جنونه (بفعل عوامل فسيولوچية بالدرجة الأولى) عشان يعيش حالة الحب مع أي سحلية تمر في مجاله الحيوي! بيتجرأ على العاطفة العظيمة وبيمثل على نفسه إنه عايشها إرضاءً لغروره، لهرموناته، حتى يمَل، أو تستنفد العاطفة الزائفة قدرتها على إشباع احتياجه.. وحيث إننا مجتمعات غير ناضجة، والمراهقة (المرتبطة بالجهل) فيها مستمرة إلى الممات، فحالة تمثيل الحب/ التجرؤ على الحب تظل كذلك نشاطًا مستمرًا بين الجنسين، ويظل “الحب الحقيقي” حالة ثمينة نادرة الحدوث!..

وكما اتفقنا على أن ما ينطبق على الحب، ينطبق على الكتابة.. فـ “التجرؤ على الحب” يقابله “التجرؤ على الكتابة”.. في ظل الانفتاح العام للمشهد الأدبي، مع تيسر آليات النشر والتسويق والدعاية، جرت حالة تجرؤ عام على الكتابة.. الكتابة التي هي كالحب، فعل خاص ثمين له اشتراطات وظروف خاصة، لا تتوافر بهذه السهولة وهذه الغزارة!..

السبب فيما هو واضح لي هو إشباع الرغبة المحمومة في التحقق ونيل التقدير بطريقة سهلة رخيصة، لا تتطلب سوى جَهد لتسويد بضع عشرات من صفحات الـ word وثلاثة آلاف أو أربعة آلاف جنيه مصاريف الطباعة، ثم قدر من المراهقة يسمح بالزيطة على الفيسبوك والجودريدز، حشد الأصدقاء والحبايب والقرايب، إرسال ريكومنديشنز، كتابة ريڤيوهات والأڤورة في مجاملة الكُتاب الآخرين، وحضور حفلات توقيع كتبهم، طمعًا في رد الجميل في أقرب فرصة.. إيه موقع الكتابة نفسها، جودتها وفنيتها وأهميتها، في هذه العملية؟! موضع متأخر للآسف..

تصبح العملية كلها تمثيل x تمثيل.. تمثيل كتابة، وتمثيل قراءة.. وأنا نفسي حتى الآن -أعترف- ٦٠٪ مما كتبت يدخل في نطاق التجرؤ على الكتابة..

المراهق ما بيعرفش يحب، ولا بيعرف يكتب.. لأن شروط الفعلين، وما يتطلبانه من موهبة ونضج وخبرة حياتية وثقافة (في حالة الكتابة) لا يتوفر للمراهق بطبيعة الحال، وكما سبق وأسلفنا فإن حالة المراهقة في المجتمعات التي تعاني من الجهل والتخلف، مش مرتبطة بالسن وممتدة حتى الممات!..

هذا التجرؤ العام على الكتابة، والمرتبط دايمًا بالزيطة وثقافة القطيع، بقدر ما يلعب دورًا خطيرًا في إفساد الذوق العام، وتعطيل نجاح الكتابة الحقيقية، ويلقي أعباءً إضافية على عاتق الكاتب الذي لم يَعُد يكفي لينجح أن يجتهد في كتابته.. بقدر كل هذا، إلا أنه عَرَض لابد منه لانفتاح السوق وحركة الرواج الأدبية التي هي في خدمة الكتابة المتميزة والرديئة على حدٍ سواء.. كما أنه -التجرؤ- يسهم في تثمين الكتابة الحقيقية باعتبار أنه بضدها تُعرَف الأشياء، وهو نفس ما يحسه ويدركه العاشق عندما يكرمه الله بحالة حب حقيقية.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى