التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

بين كر الإصغاء وفر أوراق كتبي

كتب: محمد صلاح راجح

لم أتوقف يومًا لأسأل نفسي “لماذا أكتب؟”، فأنا أكتب مثلما أتنفس وآكل وأشرب، أكتب حتى أثبت كينونتي، وبرغم أن ارتكاب فعل الكتابة هو العذاب بعينه؛ إلا إنه لا يمكنني التوقف عنه، من حقي تمامًا أن أرثي لنفسي حين تختمر فكرةً ما في عقلي، وقتها يحدث الصراع، وأجد نفسي مُصغيًا لما ينتج عنه من شخوص حية، كلٌ له حياة كاملة بداخلي.

يا الله، دائمًا ما أتذكر هذا المشهد الخارق من فيلم “بروس كلي القدرة” للعبقري جيم كيري، لظروف ما كان بروس قد اكتسب صفات إلهية جعلته يتلقى صلوات وتوسلات أهل بلدته بالكامل، ولك أن تتخيل كم الأصوات والعذابات الملتاعة التي يتلقاها دائمًا ليستجيب أو يرفض، يمنح أو يمنع، هكذا أكون أنا، وهو لعمري.. الجحيم بعينه.

في حضرة الكتابة لا يمكن أبدًا أن أجعل معها أندادًا من الفنون الأخرى، أو حتى الحواس، فلا أستمع إلى موسيقى، أو أرى أحدًا، أو أشرد عنها، يكون الواقع باهتًا جدًا أو غير موجود، تتملكني العصبية، حتى يجيء الليل ويفرد عباءة صمته على كوني، فأذوب تمامًا لأتوارى خلف الإصغاءات، وليس هذا بالأمر السهل أبدًا، خالقًا عليه أن يكون كل خلائقه! أكون الجميع، أكون الشوارع واللافتات، أكون الأرصفة، أكون الحواس ذاتها، أكون هي وهو وهذا وهذه وتلك، القدر والمقدور عليهم. عندها أعرف أنني سأنجح.

ومن وسط آتون كر الإصغاء، أفر منه إلى فر أوراق كتبي المتراصة عن يميني وشمالي، أفر الأوراق وأتشممها، أستدعي قديسي الكتابة من محاربهم في ومضات خافتة، خاطفة للأبصار.. حارقة للفكرة ذاتها، أهيم في عوالم نورانية، وأفيق وأنا أشبك أصابعي خلف مؤخرة رأسي مُحدقًا في الفراغ، وناثرًا الكتب من حولي.

منذ الصغر وأنا صريع الأوراق والقلم، أجوب الكلمات بمجون، وأعبر المرآة المسحورة عبر السطور، أرى وأسمع وأتنفس، أسافر، أبحر، أمخر عباب أنهار الأزمنة لأدرك زمني، وأفكر.. لمَ كان الاحتياج لكلمة “كُن” حتى يكون الكون كائنًا، ما سر الكلمة التي تخلق، وترفع، وتدني، وتضر، وتنفع! الكلمة حياة وموت، حب وكراهية، بناء وهدم، خالقة.. آمرة، فلا عجب إن مات الجميع وبقيت كلماتهم لتخلقهم من جديد بيننا، بل وتخلق خلقا جديدًا؛ ليسطروا كلمات ستظل هي الأبقى دائمًا، ونندثر نحن.

وما بين الخلق والاندثار، تكون الرحلة، وتصير الرحلة قدرًا، والقدر ما هو إلا كلمة، وقد اخترت أن أُسطر كلماتي، أن أوجد حتى النهاية، أن أترك من بعدي كلمات تبقى.. وتبقيني معها.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة