التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

غواية الكتابة.. عميق وفيروز وقهوة

كتب: عمرو المنوفي

أخبرتني زوجتي ذات يوم، أنها لا تراني سعيدًا أو منتشيًا بما أكتب، وكأنني أحمل فوق صدري حمل ثقيل، ما تراه في أحاديث الزملاء الكتاب والفرحة المنتشية في عيونهم عند حديثهم عن الكتابة.. تجعلها توقن جيدًا، أنها ارتبطت بأكثر أشخاص هذا الكون كآبة، بل وتدرك في دهشة أن الكتابة تحمل لي وجع خاص، يتسرب إليّ من عوالمها البعيدة..

فتخبرني بحزن.. ترى أين ذهبت سعادتك السابقة؟ هل تلتهم الكتابة مساحات السعادة في روحك؟ لماذا لا تتوقف عنها إذا مادامت تستحوذ عليك وتصليك كل هذا الألم؟.

والحقيقة أني لا أجيب، فالكتابة معاناة لذيذة، نوع من المخدر الفائق النقي، الذي يستولي على الروح والكيان، ويلتهم الوقت والصحة.. الكتابة غول كبير، لن تروضه إلا عندما تستسلم لندائه القاهر في البداية..

زوجتي لا تعرف أن الكتابة نصف سعادتي الحقيقية، ولكنها نزف روحي خارق لكل نواميس الطبيعة وثوابتها، فمَنْ يبتسم أثناء النزف، ومن يسعد بالاختطاف.

إنها قدرة إلهية منحت لبعض البشر كي يمارسوا بها سطوتهم على الأرواح، فيقدمون الأضاحي في محرابها، وينالون مقابلها حروف وكلمات صهرت في كون خاص معبق بالمشاعر والتفاصيل ..

الكتابة بعث جديد، رؤية من وراء الغيم والحجب، تصالح مع ذلك الكائن الغيبي الذي يملي علينا كل حرف، بعد أن يزنه بميزان فوقي، فيمنحها القداسة ويمنحنا الإلهام..

نحن لا نَكتب بل نُكتب.

يمتلك كل كاتب مفتاح بوابة زمنية خاصة تقوده نحو كَوِّنٍ ما، ومن هناك يستحضر أرواح أبطال أعماله، ويجبرهم بما له من سطوة وقدرة على العيش بين الصفحات حياة مختلفة، ثرية بالتفاصيل، مشبعة بمشاعره، معبقة بإعجاز روحي وعلمي لا ينتهي..

لو نظرت زوجتي في عيني ساعة الكتابة، لربما أصابها المس، الكتابة خطيرة جدًا، ولها أنياب ومخالب، لم تأتي من وادي عبقر بل صنعت كل وحوش وغيلان الوادي.. لذلك كلما نادتني الكتابة،دخلت محرابي وأغلقت على نفسي بابي، وودعت حياتي السابقة، وفتحت بوابة الخيال، وامتطيت بساط خيالي وانطلقت إلى المجهول..

كل حرف أكتبه أودعه جزء من روحي وكينوننتي.. بعض من وجعي وأحلامي، والكثير من جنوني..

ربما لو عرفت زوجتي السر لأدركت، أنها لا تحيا مع رجل واحد، بل ألف روح في جسد محدود، يشبه السجن الذي لا باب له أو نافذة ولكنه مرن لدرجة أن الهروب منه، تكون في الحياة فيه، وربما لو دققت أكثر، للمحت خلف قرنيتي دمائي التي تحولت لحبر، وعقلي الذي أصبح فضاء واسع تسكنه الظلال والوحوش والأطياف.

زوجتي تعرف أن ورائي سر، أن هناك من تشاركني فيها، تلك الفاتنة التي صرعت زوج محب، وأب فاضل، ولا تحضر له إلا ليلا، تلك الفاتنة التي لم تتفنن في وضع المساحيق ولا العطور، وبرغم ذلك تستحوذ على زوجها، ويجلس أمامها هو كالمغيب.. وكأنه في حضرة قوة آسرة تمحوا ببطء مفردات عالمه..

لو عرفت زوجتي أن تلك الفاتنة، ليست من هذا الكوكب، وأنني أُهيأ لها كامل كواكبي لتحضر.. لربما جعلتني أرتشف ذات يوم سم يقتلني ويقتل قبلها تلك الفاتنة.. التي أسرتني في رحابها، فأصبحت رجُلاً يُدمن الحروف ويقتات على الخيال، ويعشق فاتنة لا تأتي له إلا ليلًا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى