التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

تحليق الكتابة

كتبت: حرية سليمان

يشبه سؤالي حول متى بدأت علاقتي الوطيدة بالكتابة سؤالًا عن البشرية نفسها وكيف اهتدت للحروف فأصبحت وسيلتها للتواصل، يبدو الأمر مختلفًا بالنسبة لي فعلى الأرجح أنني اختزلت عالمي لشاشة حاسوب ولوحة مفاتيح وعدد لا نهائي من نقرات الأصابع لخلق حالة من البوح تلائمني، تلازمها حالة من الفرح اللامعقول فقط لأنني قررت البدء، وليصبح الأجمل من الفعل ما يسبقه من لحظات،تستوي تمامًا تلك الحالة مع رغبة حارةبعناق، أحلِّق حينها في مدارات عدة، تبدأ بإعداد كوب من الشاي ماركة “ايرل جراي” برائحته العطرية، راسمة مشهدًا مدهشًا لفنجان شاي مَلَكي تداعب خيوط دخانه مخابئ مشاعري، باحثة عن جملة غير تقليدية تستحق أن تكون مفتتحًا لائقًا، مارة بتفاصيل عالمي الخاص عبر مشهد مضبب يخترق زجاج النافذة، ربما لعاشقين يتسابقان، ربما لجرو صغير يتداخل بين قدمي شحاذ يطعمه فتات رغيف، في النهاية عليَّ أن أستسلم لفضولي الذي يدفعني لتأمل شرشف جارتي لأكتشف سبب شحوبه.

لا يمكن أن تمر اللحظة من دون أن أتذكر ماجدة بأفلامها، فها هي بفستانها المرقط متعدد الطبقات وحذاءها العالي، تتمشى بخفة بينما عيناها بصمت تراودان الأفق، أو تضجع على شيزلونج فخم بأمسية دافئة تتفقد كتابًا ما بينما تداعب أطراف أناملها حروف شعرها،تطلق تنهيدة حارة بينما تتردد بالجرامافون معزوفة شرقية ناعمة، أو أغنية la Vie En Rose لـ “إديث بياف”، أو تسرج جوادًا بممشى عشبي، أو تستدعي بخيالها مواسم عشق طازجة قبل أن يأتي صوت “عزيز” ووجومه المعتاد ليعلن أن الرحلة انتهت. لا أعرف لماذا ارتبطت ماجدة معي بالكتابة، ولا لم كان عليّ أن أستحضر طقوسها الربيعية للبدء!

لم يكن قرارًا بالمعنى الحرفي؛ فأنا ببساطة أكتب لأنني لا استطيع التوقف عن التنفس، وحين أفعلها يمكن أن أرقب العالم بعيني تلك المرأة الساحرة في لوحة بديعة للروسي “فلاديمير كوش”، باللوحة امرأة فاتنة على فراش عال لم يكن غير كتاب ضخم شكل غلافه الأرجواني غطاء لها، هنا وحيث يصبح العالم متسعًا جدًا لكل المفردات يمكن أن أكتب ليظل يلح السؤال لماذا نفعل؟ ببساطة لنصرع مخاوفنا، لنقهر أحزاننا، لنقتل شخوص حياتنا المملين، نكتب لنستبدل ساعات السأم بأخرى من المتعة، نكتب كي لا تُمحى تجاربنا وتختفي تأملاتنا، نكتب لأنه حين يتعلق الأمر بالمشاعر الخفية تصبح الكتابة أسهل من الكلام، نكتب ما نخجل أن نتكلم عنه، أو ما يفوق قدرة أصواتنا على التعبير.

ثمة أشياء تدفعنا لهذا،فهي لحظة تشبه المخاض في صعوبتها ولها التفاصيل الموجعة نفسها، وعليك أن تستعد، ربما أن كل خلية بك تتحفز لهذا الحدث، فتتهيأ ضلوعك، تختلج أنفاسك، ترتجف وتتقلص عضلاتك، تبحث عن أشياء في غير أماكنها، ترتب أو تبعثر، تتمدد أو تنكمش، تضحك ببساطة أو تبكي بعمق، تستحضر طقوسك اللازمة. أشياء كثيرة تتدافع لتمنحك أسرارها، تجارب بعيدة، شخوص رحلت وأخرى كنتها بزمن ماض، لكن شيئا محددًا وضعني بهذه الصورة، ربما طفولة بعيدة اقترنت بهذا العالم الصاخب جدًا، الحي الكامن جدًا، البارد والدافئ جدًا جدًا. لم يكن اختيارًا على ما أظن؛ فكوني ابنة لأب شاعر منح الصورة بعضًا من المثالية.

ومع ذلك فهناك شيئ ناقص، ربما كانت البدايات، هذا الحنين الجارف لما لا نعرفه والذي دفعني للاحتماء بجداري المتهالك لتأمل تفاصيله في محاولة لقراءة لغة شقوقه، كانت البداية بديوان نصوص نثرية أعادني لهذا الضجيج العذب. رحلة كتابة أجلتها كثيرًا وعمرها الآن خمس سنوات، محاولة مستميتة لنفض الغبار المتراكم لعشرين عامًا كاملة من الصمت، وأظنها أتت أكلها في صورة خمس إصدارات متتالية اختتمتها بروايتي الأخيرة ولا أعتقد أنني سأتوقف.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى