التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

العزف على أوتار بشرية

كتب: محمد نجيب عبدالله

هكذا بدأ الأمر معي.. لا بداية.. ويبدو أن النهاية مقترنة بنهاية كل شيء.. تتردد في ذهني جملة المنفلوطي الشهيرة “إني أكتب للناس لا لأسمع منهم أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرًا ممّا كتبت” فأدرك أن ثمّة تكليفًا وتشريفًا ومقامًا عليًّا يكتنف فعل الكتابة. وهكذا تملّكني الشغف حتى كاد يملك عليّ الأمر كلّه. أضطرب بمقدار اضطراب أبطالي، وأسعد لسعاداتهم. أتحقّق بهم وأنتصر لهم. تأتي الفكرة كالمرض الذي يعصف بي، تتحدث لي، يعلو صوتها حتى يصل إلى حد الصراخ.. هنالك أجد أنه لا مناص من الاستسلام لإخراج تلك الشيطانة التي تعصف بكياني على الورق..

يطلب الطفل الذي لم يتم عامه الرابع بعد كراسة وأقلامًا ملونة..

يبدأ في سرد أحداث يومه على شكل مغامرات هو محور الكون فيها..

هو لا يتقن الكتابة أو التعبير بعد.. ولكنه يملك خيالاً واسعًا ليتخيّل نفسه يصارع أسماك القرش في البحر، ويساعد المحتاجين، بل ويقود الشرطة في القبض على اللصوص!!

هكذا بدأ الأمر برمتّه، كأنه وحي أو قدر. أخبرني أنت كم طفلاً في الثامنة كان يقرأ ليوسف إدريس؟!

بدأت بكتابة القصص القصيرة من جنس الخيال العلمي، مرورًا بالسلاسل على غرار سلاسل د. نبيل فاروق والمغامرون الخمسة آنذاك، لأكتب قصتي القصيرة الأولى في سن الثانية عشرة.. مازلت أذكر عنوانها “الصياد” عن صياد شاب ابن صياد مشهور فقد والده في مغامرة صيد بالغابة القريبة لاصطياد الغزال الأبيض الشهير، ولأنه بلا بطولة، قرر أن يحذو حذو والده فلا يعود إلا بعد اصطيادها، يجنّ عليه الليل في مخاتلات ومراوغات مع فريسته، ليجد نفسه في النهاية عند آكلي لحوم بشر يستخدمون غزالتهم البيضاء لاجتذاب الفرائس.. كانت هذه قصتي الأولى!!

تطور الأمر بعدها لأكتب العديد من القصص القصيرة التي كنت أقرأها في كل مكان يسمح لشاب مثلي بعرض ما يكتبه، لأتمكن من تجميع مجموعتي القصصية الأولى بعنوان “العزف على أوتار بشرية” وأنا دون العشرين.. ولكن دور النشر والحركة الثقافية آنذاك في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات لم تكن لتسمح بذلك.. إلا أن الحلم والشغف ظلاّ قائمين.. حتى فزت بجائزة في مسابقة لسعاد الصباح.. ثم في 2005 تفوز قصتي “الزفرة” في مسابقة أخبار اليوم الأدبية وتصدر في كتاب جماعي تحت عنوان “زمن سيدي المراكبي” ثم تدور العجلة وتتوالى الإصدارات، فأصدر روايتي الأولى “أسفكسيا.. أن تذوب عشقًا” وأفاجأ بتواجدها ضمن قوائم “الأعلى مبيعًا” آنذاك عدّة مرّات.. الحقيقة لم يَعنِ الأمر لي شيئًا أكثر من رسالة خفية مفادها أن ما أفعله ربما يحمل شيئًا من الصواب.. لتأتي روايتي التالية “المبتعدون لكي يقتربوا” لتثير بعض الجدل وأخيرًا “شيروفوبيا” والتي أظنني أدين لها بكثير الفضل كونها كانت جواز مروري للعديد من القُراء ليس في مصر وحدها، بل في العالم العربي بأسره، ربما لأنها صدرت مواكبة للحراك الثقافي الكبير وزخم القراء الذي أعاد للكتاب وللقراءة بعضًا من كرامتها التي أهدرها بعض السابقين من متبّعي الحداثة والتقعّر والابتعاد عن القارئ العادي والذي يمثل السواد الأعظم.. لقد أخطأوا.. فالأدب لا يجب أن يكون كلّه انتقائيًا، أنت تكتب من الناس، فلتكتب للناس.. طالما أنّك تضمّن كتابتك فكرًا وعمقًا ولغًة وسردًا وحبكًة قصصية..

الآن أدركت لِمَ أكتب..

فأنا طبيب كما تعلمون.. ولكنني اكتشفت أنني طبيب في الحالتين..

فالطبيب يجاهد ليشخّص أمراض الجسد، ويعالجها، ويرصدها، ويتابعها.

أما الأديب فهو يُشَّخص أمراض المجتمع، ويحاول معالجتها إن أمكن، أو يرصدها وهو أضعف الإيمان، وفي كل الأحوال هو متابع لها، لأن العمل الأدبي يتحوّل بعد ذلك مع الزمن إلى شاهد على العصر، وربما يطرح وجهة النظر الأخرى التي لا يكتبها التاريخ ولا المؤرخون. ففي النهاية كتابة التاريخ عمل أدبي.. ويتبنى وجهة نظر كاتبه.. فهو كاذب..

الأديب هو شبه نبي..

يحمل شعلة التنوير والهداية..

لذا أدعو الله أن يوفقني.. ولا أكون ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!!!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ^_^ ربنا يوفقك يااااارب ومن نجاح لنجاح ^_^ فأنت لازلت كاتبي المفضل الذي أفتخر به دوماً ^_^

زر الذهاب إلى الأعلى