التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

هذا ما قد تفعله الكتابة

كتب: أحمد عبد المجيد

حينما بدأت أقلّد الكتابات التي أحبها –والتي كانت في أغلبها لا تخرج عن أدب المغامرات أو البوب آرت –كانت عيني على الشهرة والنجاح اللذين يتمتع بهما كتّاب هذه الأنواع.. كنت أرى نبرة الاحترام والإجلال التي أتحدث بها أنا وأصدقائي عن كتّابنا المفضلين – نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق وموريس لبلان وإجاثا كريستي وغيرهم – وأحلم بأن يتكلّم الناس عني بهذا الشكل ذات يوم، وينتظروا أعمالي كما كنا ننتظر العدد الجديد من رجل المستحيل أو ما وراء الطبيعة، ويقضوا الوقت في تبادل الآراء حول ما ستؤول إليه الأمور في الجزء الجديد من روايتي القادمة.

كانت الكتابة بالنسبة لي في تلك الفترة تعني الشهرة والمجد، الاحترام والتبجيل والنظر إليك باعتبارك نصف إله يمشي على الأرض.

ثم تغير كل شيء في يوم ما من أواخر سنة 1998 أو أوائل 1999، وكنت وقتها في سنتي الجامعية الأولى، حينما عثرت بالصدفة في مكتبة خالي على مجلد أنيق يحوي ترجمة رشيقة وأمينة لرواية “المراهق” لأديب روسيا العظيم “فيودور ديستويفسكي”.. كنت قد تجاوزت منذ فترة طويلة مرحلة قراءة أدب المغامرات وصرت أقرأ أدبًا جادًا لأدباء عرب عظام – نجيب محفوظ، يوسف إدريس، توفيق الحكيم، عباس محمود العقاد، طه حسين، إحسان عبد القدوس، إلخ – وأجانب – تشارلز ديكنز، فيكتور هوجو، إميلا زولا، إرنست هيمنجواي، إلخ –لكن رواية المراهق لديستويفسكي كانت هي مرتي الأولى التي ألتقي فيها بالأدب الروسي وجهًا لوجه. لسبب ما لا أعرفه حتى الآن كان الأدباء الروس في القرن التاسع عشر يكتبون أدبًا عظيمًا فذًّا – خصوصًا في الفن الروائي – لا أعتقد أن أحدًا في الآداب القومية الأخرى استطاع أن يجاريهم فيه. وحينما كنت أقرأ رواية المراهق لديستويفسكي كنت أجدني وكأني أقرأ عن مصر، نفس المشاكل، نفس الأبطال البؤساء الذين يرمقون العالم الغربي بعين الحسرة ويتمزقون بين الرغبة في مجاراته وبين التمسك بجذورهم. فتنني الجو الساحر، شعرت أن ذلك المراهق الذي أقرأ عنه ليس أحدًا آخر سواي، ودون أن أدري وجدتني وقد عشقت روسيا القرن التاسع عشر.

رمقت المجلد الذي بين يديّ بدهشة، أهذا ما قد تفعله الكتابة؟ روائي عاش منذ مائة وخمسين عامًا في مكان يبعد عن مكاني الحالي آلاف الكيلومترات استطاع بكلماته أن يحببني في بلده؟ هل بإمكاني أنا كذلك أن أكتب وأسبب نفس التأثير؟ هل سيأتي بعد مائة وخمسين عامًا فتى مراهق في مكان بعيد ويقرأ شيئًا كتبته، فيعشق مصر؟

منذ تلك اللحظة أدركت أن الكتابة تأثير، علاج، تغيير.. أنت تحمل روحك وتجربتك وتنثرهما على الصفحات، تشحنهما في كلماتك فيصل شعورك لقارئ لا تعرفه ولا يعرفك.. الكتابة هي الطريقة الوحيدة لتلتقي روحك بآلاف الأرواح، الكتابة هي الكاميرا التي تسجّل مشاعرك في لحظة معينة وتحتفظ بها للأبد.. بالطبع مازلت أطمح في نظرات الإعجاب والتقدير، لكني أصبحت أدرك أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى