التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

هكذا عهدتها، وهكذا ستبقى على الدوام

كتب: أحمد القرملاوي

ربما تكون هذه الجولة من الكتابة هي الأصعب، أن أكتب عن الكتابة ذاتها.. كيف يكون ذلك! فلنجرب معًا..

بدايةً، سأفصح لكم عن أمرٍ ما؛ حتى اليوم، أكتب بالقلم الجاف في أجندة العام. أحد أهم اللحظات في حياتي، وأبهجها وقعًا في قلبي، هي حين يهديني أحدهم أجندة العام الجديد. أجذب دفَّتيْها بشغف وتمهُّل، كي لا يتأثر نسيجها الداخلي والخيوط التي تجمع أوراقها. أشتمُّها، أنقل خيطها الحريري لأول صفحة فارغة، هنا سأبدأ حكايةً جديدة..

الكتابة ليست مهنة، ليست مهارة صانع ولا صنعة فنان، بل هي روحٌ تُسكَب، أنفاسٌ تُجمَع بين الأبيض والأزرق الداكن، على ورقٍ يكتسب حياةً جديدةً حين يُسطَر عليه، أو صفحة بيضاء على برنامج “وورد” تصير مسرحًا لحياةٍ تنسجها الحروف السوداء، فتصبح جزءًا مستقلًا من تاريخ البشر.

الكتابة الحقَّة ليست استعراضًا للمهارات، ليست نقودًا تشتري فقاعة شهرة، ولا أداةً لاصطياد شعورٍ زائفٍ بالأهمية. هي هاجسٌ لا يمكنكَ الإفلات منه، لا فكاك من سطوته إذا ما استأثر بك. هي وقتٌ مُستقطعٌ من حياةٍ متوهَّمة يمنحكَ الصدق والحرية. هذا أهم ما منحتنيه الكتابة؛ الصدق والحرية. ربما عانيتُ كثيرًا كي أجد من يُقدِّر كتابتي، وانتظرتُ طويلًا قبل أن أتلقى إشادة ناقد كبير أو كاتب فذ، ولكن ذلك لم يشغلني ولو للحظة، فقد كان الهاجس دائمًا هو الكتابة ذاتها، ليس النشر ولا الإشادة.

سأقص عليكم بدايتي.. كانت البداية شعرًا ونثرًا، ثم مسرحية أثناء مرحلة الدراسة الإعدادية، وفيلمًا قصيرًا خلال المرحلة الثانوية.. ثم قصصًا متفاوتة الطول، تتكاثف أحيانًا، ثم تتباعد حتى تغدو استثناءً لا يُعوَّل عليه. لم يشغل النشر حيِّزًا من أحلامي، ربما لم أكن لأتخيَّل اسـمي مطبوعًا على غلاف كتاب! كان الأمر أبعد من خيال، أما بالنسبة لأقرب أقربائي- محمد صادق- فقد كان واقعًا ملموسًا، أخذ يجذبني من يدي كي أمسك به.

نعم، كان محمد صادق- الكاتب اللامع وابن خالي الأصغر- هو أول من حثني على النشر بمنتهى الإصرار، بعد تجربة فاشلة لعرض كتاباتي على دار نشر كبرى، فما كان منهم إلا أن أهملوا قراءة نصوصي حتى أفقدوني الأمل، فتوقفتُ عن سؤالهم. أقنعني بصعوبة أن تلتفت دور النشر الكبرى للأقلام الجديدة، آنذاك، وعرَّفني إلى ناشره الشاب، المحترم، الأستاذ هاني عبدالله. تحمَّست، وأقبلتُ بكل كياني على التجربة الجديدة أرشف منها السعادة والحلم، حتى خرجت مجموعتي القصصية “أول عباس” للنور. نعم، لم تشهد نجاحًا يُذكر عند صدورها، ولكنها حملت بعضًا من ذاتي إلى أماكن شتى، داخل مصر وخارجها، فهل أطمح فيما هو أفضل؟!

لم أطمح في الكثير، ولكن القدر كان يُخبِّئ لي ما هو أكثر، أكثر بكثير! مقال طويل في جريدة الأهرام اليومية، بقلم الأديب والناقد الكبير علاء الديب، يتناول “أول عباس” بالنقد والتحليل، بعد أن لعبت المصادفة دورًا عجيبًا في وقوع المجموعة بين يديْه. ليس ذلك فحسب، بل تستقبل إحدى أعرق دور النشر- الدار المصرية اللبنانية- روايتي الأولى بحفاوة بالغة!

قد تمنحك الكتابة فوق ما تنتظر، هذا مؤكد، ولكنها لن تفعل ذلك- في الغالب- إلا لمنيمنحها كل ما تطلب؛ روحَهُ كاملة، وحياتَهُ مجتمعة. لن ترضى الكتابة بمن يزيِّفها، بمن يزيِّنها أو يدَّعيها، بمن يستلهم أفكارها من خارجه، أو يصنع عوالمها محاكاةً أو تقليدًا. لن ترضى بأنصاف الموهوبين، ولا أشباه المتميزين، فهي ترى نفسها أعلى شأنًا من جميع هؤلاء، ولا يمكن أن تمنح نفسها سهلةً لمن لا يستحقها.

هكذا عهدتها، وهكذا ستبقى على الدوام..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى