ملفات

شهادة أُدباء الكُتب الأعلى مبيعًا عن الكتابة

كتابة في مواجهة الخرافة

كتب: محمد عبد القوي مصيلحي

الأديب، شخص مسكين للغاية. والسبب أنه طوال الوقت مؤرَّق بأسئلة لا إجابة لها، ويعاني مشكلات لا حل لها، وينشغل بقضايا تخالف ما يراه مُعظم العامة، وما يفضّله الحكاّم!

وهو أكثر الجاهلين علمًا بجهله، لكنه يرى أنَ طرح الأسئلة فعلًا لا يقل أهمية ورقيًّا عن الإجابة عنها.

كثيرًا ما طاردتني الأسئلة الكبيرة، من نوعيّة: لماذا لا يتعلّم الناس من نتيجة أفعالهم؟ هل توجد كائنات عاقلة في كوكب آخر يعرف بنا ويراقبنا؟ هل الله هنا الآن؟!

ولأنني من أشد الناس إيمانًا بمبدأ المشاركة والوجدانية، لذلك لم أجد مشكلة في طرح أسئلتي الكبيرة على الناس من حولي، ربما يحمل أحدهم إجابة في داخله، أو ربما يبدأ في البحث معي عن واحدة.

كتبت لأنني شعرت بأن الكتابة هي القوة الوحيدة التي أستطيع استخدامها في بناء مشروعي الإنساني الصغير. وكتبت لأنني أريد أن أعرف.. هذا دافع أناني بعض الشيء، ولكن لا بأس.

كان من الضروري بالنسبة لي، أن أرى الناس من حولي يتحررون من الخرافة، ويبدأون في إعمال العقل، وانتحال التحضّر، وتقدير العاطفة، وإنماء الضمير الإنساني؛ بشكل أكبر قليلًا مما هو عليه.. وأن يتم تعطيل الغرائز الأوَّلية بعض الوقت، أو على الأقل سحب بعض المهام القيادية منها.

أحببتُ أن أوجّه دعوةً للنظر إلى نسبيّة الأمور والقيَم، كالحق والباطل والخير والشر.. وتمنّيت لو كان باستطاعة كل شخص أن يضع نفسه مكان الآخر قبل إصدار أحكام متسرّعة.. وأن يفكّر الجميع بصدق: نعم، أنا لا أستطيع توقُّع رد فعلي في هذا الموقف.. ولن أعرف نفسي جيدًا إلا في تجربة حقيقية.

وأن يحظى الضَّعف الإنساني ببعض الاحترام، وأن يتم التعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا، يحدث – فقط – لأنه يحدث!

وأن يدرك الإنسان حجمه الحقيقي، وموقعه من بقية الكائنات على نفس الكوكب، وموقعه من الكوكب نفسه، ومن المجرّة، ومن الكون.. يرى البعض أن الإنسان ليس هو الكائن الأشنع على وجه الأرض، حسنًا، لن أختلف معهم.. لكنه بلا شك الأشد غرابة على الإطلاق.

هو يعتقد أنه الأذكى والأبقى والأهم، ويعتقد أن العالم بطارية لا تنفد من الطاقة؛ ثم يعمل لدنياه كأنه يموت غدًا!

قل لي، كيف بربك تستطيع أن تطرح كل هذه التساؤلات، دون أن تضطر لوضعها أمام الناس في أوراق مثلما يفعل الممتحِنون؟! حتى جوجل له حق رفض الإجابة عن مثل هذه الأطروحات دون إبداء أسباب!

إن الإنسان في حاجة دائمة إلى أزمة، كي ينضج.. وفي حاجة دائمة إلى صدمة، كي يسترد الجزء الذي فقده من إنسانيته. والحكمة لا يتم اكتسابها إلا بعد خسارة كبيرة، فلكل شيء ثمنه.

ولأن الأسئلة كثيرة للغاية، فقد وجب على كل من يجد قطعة من اللغز، أن يشارك فيها الجميع.. هكذا يمر العلم، ويحدث التطور، ولا يحتاج المرء إلى إعادة اختراع كل شيء، كل مرة.

أنا أشعر بأنني حينما أكتب، فإنما أساهم بما لديّ في الدفع بالإنسانية إلى التقدّم.. شعور كهذا يجعل من المستحيل على أي قوة مهما كانت أن تثنيك عما تفعل، حتى وإن كان ما لديك قليل جدًا، لا يعدو كونه بعض نظريات تحاول أن تجد أرضًا صلبة تقف عليها.

لا بأس بأن يشعر المرء بأهمية زائفة، طالما أنه لم يدخل في مرحلة جنون العظمة، لأن شعور كهذا يحمل المرء على التحلي بروح المسؤولية، فيأخذ ما يقوم به على محمل الجد.. نحن حقًا بحاجة لهذا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى