التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

ابنة سوسلوف.. التطرف من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين

كتبت: نضال ممدوح

اختار الكاتب اليمني “حبيب عبد الرب السروري” حقبة الستينيات من القرن العشرين مفتتحًا لروايته “ابنة سوسلوف كمسرح زمني تتحرك عليه ذكريات طفولة الراوي “الشيخ عمران” بكل  تناقضاتها ومشاكلها وتعقيداتها٬ عبر مدينة عدن كمسرح مكاني٬ يروي عمران سيرته مُنذ أن كان في مطلع شبابه،  قبل أن يحصل على منحة استكمال دراسته الجامعية في واحدة من أهم دولتين أوروبيتين، فرنسا أو ألمانيا. وكانت قي تلك المرحلة قد تسرّبت المبادئ الإشتراكية إلى ذهنه، فاختار فرنسا لعله يرى عن كثب إنهيار الرأسمالية بأم عينه٬ لكنّ أفكاره سرعان ما تتغيّر في فرنسا بعد أن يقع في غرام امرأة “نجاة” من أب يمني وأم فرنسية تُغيّر له الكثير من مفاهيمه وتجادله بزيف الثورة من المنظور السوفياتي التي كان قد تشرّبها كمسلّمات أثناء حياته في عدن السبعينيات، يتزوجها ويجد السعادة الحقيقية معها، لكنّ الإرهاب يسرقها منه بعد حادثة تفجير في إحدى محطات المترو في فرنسا٬ تموت زوجته ليمتزج دمها بأقلام الرصاص التي حملتها له كهدية٬ يندهش الراوي قائلاً :”اعتدت عشق الثورات وتخيل سيناريوهات مهرجانات ممتعة كم تبهجني، لكني لم أتخيل الموت فيها قط.”

يعود عمران إلى اليمن بعد إتحادها شمالاً وجنوبًا ليجدها سجينة قيود السلفية الدينية وتفاجئه أخته التي تعب عليها زمانًا ليشربها الروح الثورية وربّاها تربية مدنية لتتحول إلى منقبة، ويتعرف إلى ضيفتها المنقبة أيضًا “أمة الرحمن”، التي لم تكن غير “هاوية” التي دغدغت أحلامه ولجم نفسه عنها في عدن السبعينيات الريانة بأفكار الماركسية اللينينة وأدبياتها٬ في تلك الفترة كانت “أمة الرحمن”؛ تقود تظاهرة نسائية منقبة مناهضة لقوانين تنصف حقوق المرأة، وتدافع عن قانون الزواج من أربع وفق الشرع٬  هذه الداعية، والناشطة لاحقًا في ربيع اليمن الثوري، كانت زوجة عمر المدمن، ابن الداعية السلفي محمد الهمداني، رأس السلفيين اليمنيين والأب الروحي للجيل الأول من قادة منظمة القاعدة٬ وكانت على علاقة فاحشة مع الهمداني، حميها أو والد زوجها.

ومع اندلاع الثورة اليمنية في فبراير، يتولّد الأمل من جديد في قلب الراوي الذي يعتقد أنّ الخلاص من تلك الأفكار الظلامية المنتشرة في المدن اليمنية لن يتحقّق إلاّ في مثل هذه الثورات الشعبية الكثيفة٬ هكذا، ينزل عمران إلى الساحات مدفوعًا برغبة في التغيير، حاملاً أحلامًا قديمة وفكرًا متنورًا ليجد نفسه بين “سلفيين” نُهِبوا الثورة واستحوذوا عليها، وتحولت الإمارات القندهارية الإسلامية إلى أعلى مراحل الثورة الوطنية الديموقراطي٬ يصوّر الروائيّ بعض ملائكة الثورات وبعض شياطينها، يصف الأمل الذي انبعث لديه حين بدء شرارة الثورات التي ضعضعت حكم الطغاة، ثمّ يصف ما آلت إليه من تشويه وتحويلها إلى حروب وتدمير البلاد وتشريد العباد، بحيث أنّ تآمرًا متعدّد الأوجه جرى لحرف الثورات عن مسارها، وإيقاعها في فخّ العنف والحرب، ثمّ ما صاحب ذلك من امتطاء الإسلاميّين لها، واستغلال التحرّكات الشبابية لغاياتها للوصول إلى السلطة، بعيدًا عن مدنية الثورات وملائكيّتها. يصف كيف أنّ السلفيّة الجهاديّة امتطت الأحداث وسعّرتها، ودفعت بالأمور نحو الأسوأ في رحلة تضييع الثورات والوطن معًا بحثًا عن أوهام ماضيّة بائسة.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة