التخطي إلى شريط الأدوات
أقلام وآراء

كافكا على الشاطئ.. الألغاز كمحاولة لفهم الذات

كتب: خالد عبد العزيز

الرويات نوعان. نوع سطحي يسرد الأحداث دون أثر لعمق أو مغزى. أما النوع الاّخر: يستغرقك ليس من الصفحة الأولى أنما من السطر الأول ويجذبك تَمامًا لعالم الرواية المليء بأسئلة شتى تدور رحُاها بين السطور، مما يدفع القارئ ليشحذ ذهنه باحثًا عن أجوبة لتلك الأسئلة.

القراء نوعان أيضًا. النوع الأول: قارئ مُتمهل يرتشف الأحداث ببطء وأستيعاب مُستمتعًا بالسرد. أما القارئ الثاني: قارئ عجول لا يلتقط التفاصيل الصغيرة المُلقاه على الصفحات والتي لا تحتاج سوى التأني.

ورواية كافكا على الشاطئ للروائي الياباني هاروكي موراكامي الصادرة عن المركز الثقافى العربي بترجمة إيمان حرز الله تنتمي للنوع الثاني من الروايات ولا تناسب القارئ الثاني العجول. هذه رواية كُتبت بحرفية شديدة. نجح موراكامي في نسج عالمه الغرائبي المُرتكز على ثلاثة محاور. كل منهما يُكمل الآخر ولا يتقاطعوا إلا مع إنتهاء الرواية.

المحور الأول: المراهق الهارب كافكا تامورا. ليس فقط هارب من والده أو البيت الذي كان يعيش فيه، أنما هروبه أعمق من ذلك، يود الهروب من ذاته القِلقة. باحثًا عن بداية جديدة له.

المحور الثاني: تقارير وحدة المخابرات بالجيش الأمريكي عن حالة غريبة انتابت فصل دراسي في إحدى المقاطعات اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية.

المحور الثالث: العجوز ناكاتا المُصاب بتأخر عقلي لكنه عوضًا عن ذلك يملك قدرات خاصة منها قدرته على محادثة القطط والتنبؤ بالحوادث الغريبة التي توشك على الحدوث.

عوالم الرواية غرائبية إلى حد كبير، لكل شخصية من الأبطال الرئيسين حادث أو شخص ما خارج عن حدود المعقول يظهر له أو يُضيف شيء ما للسرد. مثل الكولونيل ساندرز والجنديين الهاربين من الحرب العالمية الثانية في الغابة المؤدية إلى المدخل.

لكن يبدو الوضع مُختلفًا مع شخصية الغراب أو الفتى المدعو كرو للوهلة الأولى يبدو أنه كائن خُرافي لكن مع التقدم في القراءة يتضح أن ذلك الغراب ما هو إلا أمتداد للنفس البشرية الخاصة بكافكا تامورا.

رغم أن عوالم الرواية غرائبية وعجائبية وتكاد تكون خارج حدود التصديق إلا أن موراكامي لا يبدو أنه ترك العنان لخياله دون مقصد واضح أو هدف ما. لذا إذا حللنا الأحداث وتتبعنا ما وراء الحكي سنتمكن من قراءة مقصده بسهولة تامة وسيتكشف العالم الخفي للرواية.

مثلا: حجر المدخل والمدخل ذاته في قلب الغابة يبدو جليًّا أنه ليس إلا رمز ما لعالم ما بعد الرحيل أو إذا شئنا الدقة ما بين الحياة والموت. وتتضح هذه الصورة من خلال شخصية الآنسة ساييكي التى توقفت رغبتها في الحياة عند السن التي توفى حبيبها فيه. لذا تظهر لكافكا في حجرته بالمكتبة وبعد أن إجتاز حجر المدخل وهي لم تَعبُر الخامسة عشر بعد. ولا يرى الآنسة ساييكي إلا بعد موتها. يراها لدقائق فقط كأنها أتت لتُرسل رسالةً ما هو ليس بجاهل عن محتواها.

تظل الفصول الأكثر أمتاعًا هي الفصول الخاصة بالعجوز ناكاتا، ذلك العجوز الذي أصُيب بتأخر عقلي بعد الحادثة الغريبة التي أصابت التلاميذ. لكن جميعهم يستعيدون صحتهم مُجددًا، عدا ناكاتا الذي لم يتأخر تفكيره وحسب لكن ذاكرته مُسحت تمامًا. بَرع موراكامي في كتابة الحوار على لسان ناكاتا فجعل القارئ يتعاطف مع الشخصية ومُستمتع بطريقة الحوار الغريبة التي يتحدث بها.

وهذا يُحلنا لنقطة هامة وهي الترجمة. وللحق جاءت ترجمة الرواية مُفرطة في الجمال. لدرجة أني أحيانًا كُنت أتشكك أني أقرأ رواية يابانية لولا الأسماء التي كانت تُذكرني بجنسية الرواية. أبدعت المُترجمة إيمان رزق الله في ترجمة العمل وخرجت الترجمة في صياغة مُتميزة. تستحق الثناء عليها.

الرواية مليئة بالألغاز كما يقول الكاتب عنها ولعل اللغز الأصعب على الحل هو مقتل جوني وواكر، والترابط بين كافكا تامورا ونبؤة والده عن قتله له، والعجوز تناكا الذي نفذ الجريمة. لكن الأثار المصاحبة للجريمة التي يُفترض تواجدها عليه مثل دم الضحية اختفت وانتقلت الدماء إلى كافكا تامورا الذي لا يدري شيئًا عن الجريمة.

كان موراكامي قد تلقى على موقعه الإلكتروني ما يُقرب من 8000 سؤال حول الرواية. ويضيف قائلاً: “إن السر الكامن وراء فهم أحجيات الرواية ينجلي بعد قراءتها لأكثر من مرة، الرواية تحتوي على أحاجي كثير ولكنها لا توفر أية أجوبة، ولكن جمع هذه الألغاز كلها وتفاعلها مع بعضها يسهّل على القارئ معرفة أجوبتها التي سوف تختلف من قارئ لآخر. بطريقة أخرى فإن الألغاز هي جزء من حلولها، يصعب عليّ شرح ذلك ولكن هذه هي الطريقة التي أكتب بها”.

الرواية مليئة بالعديد من الأحداث المشوقة والسرد المتقن الذي يلاعب خيال القارئ بمهارة. ما أرغب في قوله عن هذا العمل كثير لكني لا أود أن أحرق الرواية لأترك فرصة الاستمتاع بها للقارئ.

أعتقد أن هذه الرواية تستحق أكثر من قراءة ليس فقط من أجل الاستيعاب الكامل للأحداث، إنما للاستمتاع مُجددًا بقراءتها. فلا لذة لقراءة دون استمتاع.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى