التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

ما لم يكن يدركه “ويكا”

كتب: وسام جنيدي

عندما استيقظ “ويكا” هذا الصباح، كان يدور في ذهنه شيء غريب للغاية، فأخذ ينظر في صفيح دراجته اللامع لوقت طويل وهو يتخيل، ماذا لو اختفت تلك البثور التي بين حاجبيه وجبهته!

فهو لا يتذكر متى جاءت تلك البثور إلى وجهه، فهي موجودة منذ زمن بعيد، كان أحيانًا يظن أنها ستزول بعد سن المراهقة، ولكنها لم تفعل، ما لم يكن يدركه “ويكا” أن تلك البثور الموجودة على ذلك الجلد الأسود الخشن الواقع بين حاجبيه وجبهته، تكونت من أثر تراكم العرق والأتربة مع عدم النظافة، وغسيل الوجه بالماء البارد في الشتاء والتعرض للهواء بعده، ومن نوبات العطش التي كانت تأتي له دائمًا ويتجاهلها، قسوة بردالشتاء في “العشش”، والأغطية التي يستخدمها وتكون مُحملة بالأتربة دائمًا، وتغطية وجهه بها أثناء النوم، بغض النظر أن تلك الفعلة تمنع الأوكسجين غالبًا من الوصول إلى رأسه، ولكنه لا يستطيع جلب النوم إلى عينيه سوى بتغطية رأسه صيفًا أو شتاءً.

كل تلك العوامل المتراكمة على وجه “ويكا” هي ما أدت في النهاية إلى ذلك الشكل المُنَفر لهيئته ووجهه، ومما زاده دمامة، ماء الأكسجين الذي يضعه على شعره، كان الغرض منه إضافة لمحة جمالية على مظهره المُذري، ولكن مع الأسف زادته دمامة، وعلى الرغم من إدراك “ويكا” لذلك، قرر أن يترك ماء الأوكسجين على الرغم من الصفرة الفاقعة التي أضفتها على شَعره الترابي حتى تزول بفعل الزمن.

– بتعمل إيه يا قرد على الصبح؟

انتبه “ويكا” على صوت “سعيد” صاحبه وهو عاكف على تركيب جنزير الدراجة، فالتقط طوبة كبيرة من على الأرض، وأحكم التصويب على ظهر “سعيد”، وعندما أصابت الطوبة سعيد، ضحك متوجعًا:

– يلا يا ابن الكلب.

ما لا يدركه الكثيرين أن تلك الطريقة هي أسلوب مُعظم قاطني “العشش” في إلقاء السلام على بعضهم البعض، فلا “سعيد” تأثر بالطوبة ولا “ويكا” تأثر بالشتائم التي انطلقت من فم “سعيد” وهو يضحك ويتخذ طريقه إلى عمله.

هناك قوانين خاصة للقاطنين “بالعشش” لا يعرفها غيرهم، فمثلاً الصلاة المفروضة على قاطني العشش، هي صلاة الجمعة فقط، فيقوموا بالاغتسال وتأدية الصلاة دون سماع الخطبة غالبًا، أيضًا الصوم، فهم يقيموا شعائر رمضان ابتهاجًا بالشهر الفضيل، لكنهم لا يصوموا، لأنهم في الغالب جياعًا في أغلب شهور السنة، فلم يفعلوا بإيرادتهم! فالصوم من وجهة نظرهم، فرض على الأغنياء فقط.

أما من الناحية الاجتماعية فهناك طقوس واجبة، فمثلاً، عندما يموت زوج إحداهن لا تتزوج ثانيةً وتكون متاعًا للذكر الأقوى الذي يستحوذ عليها في “العشش” مثل “أم رباب”، التي استحوذ عليها “ويكا” بعد موت زوجها، “أبو رباب” في ثاني يوم من دفنه.

فالجنس عند “ويكا” مُهمًا للغاية، ما لا يدركه “ويكا” أنه نتيجة للجوع أحيانًا كثيرة والإحباط المتواصل، أصبح الجنس عنده شيء مُقدس، ولكن للجنس عند ويكا أو للدقة لأهالي “العشش” طريقة خاصة، فهو مثلا لا يشعر بالنشوة البالغة إلا إذا بكت “أم رباب” تحته واستعطفته، وإن لم تَبك من رجولته عاجلها بصفعتين على وجهها حتى تبكي، ما لايدركه “ويكا” أن “أم رباب” أيضًا لا تشعر بأي عاطفة في الجنس سوى عند البكاء، فالبكاء عندها يساوي مقدار اللذة التي تحصل عليه المرأة العادية عند بلوغ النشوة.

“ويكا” يذكر أن من أكثر المرات شَعر فيها برجولته مع “أم رباب” كان يوم ما صفعه اللواء في ميدان التحرير عندما أخذ منه “الموتسيكل الصيني” الخاص به، عند عودته كان مُحبطًا للغاية، ليس للصفعة، ولكن لفقدان باب رزق كان بجانب طاولة (البنج-بونج) التي ينصبها لأبناء العشش وطلاب المدرسة المجاورة، يشكل باب رزق ثابت له وإن كان قليل.

فقد اشترى هذا “الموتسيكل الصيني” ليقوم بمهمة السيارة الأجرة لبعض محدودي الدخل، وبالطبع كان بلا أوراق، ويكا نفسه كان لا يحمل رخصة قيادة لأن من شروط الحصول عليها شهادة ابتدائية أو محو أمية، وهو لا يحمل أي من الشهادتين، وأثناء توصيل أحد زبائنه إلى ميدان التحرير استوقفته اللجنة، وأخذوه منه ووضعوه على سيارة نقل كبيرة تابعة لإدارة مرور القاهرة، وعندما اعترض “ويكا” قام اللواء بصفعه، وعاجله الأمين بجواره “إحمد ربنا إن ما أخدكش إنت كمان”، أصل الموتسيكلات دي هي “الطرف الثالث دلوقتي”، بالرغم من عدم معرفته لمعنى “الطرف الثالث” إلا إنه انصرف لشعوره بخطورة الموقف، وأُضيفت كلمة “طرف ثالث” إلى الكلمات الكثيرة التي لا يدركها “ويكا”، وبالتالي تبعث عليه الخوف مثل كلمة “ثورة” “وقفة احتجاجية” و”قسمة العدل”، ومما زاد خوفه أنهاقيلت إليه من قبل الشُرطة، أكبر سُلطة تُخيفه بعد سُلطة تجار المخدرات المتحكمين في “العشش”.

رن الهاتف الجوال الصيني الصنع، الذي قام “ويكا” بتثبيت الغطاء الخلفي له مع الجسم الأمامي بمطاط أصفر، قام من مكانه ليجيب، فقد كانت تلك المكالمة هامة له للغاية، وعندما عاد إلى مجلسه تنفس في إرتياح، ثم أكمل محاولاته في إعادة جنزير الدراجة إلى موقعه.

وقفت “رباب” أمام العشة تنظر إلى “ويكا” وهو يُصلح الدراجة، لم ينتبه “ويكا” إليها إلا بعد أن فَرغ مِن إعادة الجنزير إلى مكانه، فنظر إليها مستطلعًا:

– واقفة كده ليه!؟

– أمي قالت لي خلي عم “ويكا” يوصلك بالعجلة للمدرسة، علشان أنا اتأخرت.

– خدام أمك أنا.

فعاجلته ضحكة “أم رباب” التي حاولت أن تجعلها خليعة لتحثه على توصيلها للمدرسة، ولكن “ويكا” كان رائق المزاج للغاية بعد المكالمة التي جاءته:

– طيب اغسلي وشك، ده منظر طالبة والنبي!

غابت رباب داخل العشة لثوان وعادت تُجفف وجهها بأطراف غطاء الرأس الكاكي اللون التي ترتديه على رأسها كحجاب.

ووقفت أمامه في صمت منتظره لإذنه بالإنطلاق.

“رباب”

لم تكن علاقة “ويكا” بـ “رباب” جيدة أو غير جيدة، لم تكن هناك علاقة على الإطلاق، فهو لا يتذكر أي موقف معها سوى مرة واحدة، عندما كان يمارس طقسه الجنسي مع والدتها، فيضربها على وجهها، ويقفز عليها بعنف وهي تبكي وتستعطفه، وعلى حين غرة شَعرَ بيد صغيرة تضربه على ظهره، فتوقف عن ما كان يفعله ونظر خلفه، ولكن أم رباب قامت من تحته في سرعة، ربما خوفًا من أن يبطش “ويكا” بابنتها، قامت بضربها على وجهها (ارجعي نامي يا بنت الوسخة، إيه اللي صحاكي!؟) فعادت رباب إلى مكانها جوارهم وهي ترتجف، لم يعرها “ويكا” انتباهًا وعاد إلى ما كان يفعله ولكن بفتور همة.

جلست رباب على الحديد الخلفي للدراجة، وانتبه “ويكا” على صوتها تهمهم:

– إنتِ بتقولي إيه؟

– أناشيد

– أناشيد يعني إيه!

– أغاني بيعلموهلنا في المدرسة

– طيب ما تسَّمعينا كده

– واحد “هو ربي”، اتنين “بابا وماما”، تلاتة “هُم إخواتي”، أربعة “هُم أصحابي”، خمسة “صوابع إيدي”

راق النشيد لـ “ويكا” حتى أنه طوح جسده يمينًا ويسارًا وهو يسرع من التبديل على الدراجة، وعندما طلب منها للمرة الثانية إعادته، صفق بيده وترك “جادون” الدراجة مما دفع رباب لاحتضانه من ظهره وازداد صوتها مرحًا وهي تغني، كان يطلب منها إعادته كلما تنتهي منه، كان رائق المزاج للغاية، لدرجة أنه نسي أمر المكالمة الصباحية، التي كان يظن أنها سبب سعادته.

– انتي فطرتي؟

– لا

– طيب، معاكي حاجة أكل للمدرسة؟

نظرت “رباب” في براءة إلى “ويكا” الذي وقف بجوار عربة الفول، فخبطها على رأسها وذهب إلى العربة وأتى لها بنصف رغيف به ثلاث حبات فول بالعدد ولكنه كان ساخنًا من الماء الخاص بالفول داخله، أخذت رباب النصف رغيف الملفوف في ورقة الجرائد في سعادة بالغة، وقامت بوضعه في “الخرج” التي تضع فيها الكتب الخاصة بالمدرسة:

– هبقى أكله في “الفسحة”

– طيب

أدخل “ويكا” جرس الدراجة كآلة موسيقية على الأناشيد التي تغنيها “رباب”، ولكن كان دائمًا يستحثها على العودة إلى النشيد الأول كأنما يريد حفظه، كان النشيد يحمل وقعًا مميزًا على أُذن “ويكا”، حتى أنه عندما وصل “برباب” إلى المدرسة استوقفها قبل أن تذهب إلى باب المدرسة وعبث بالجرس:

-رباب، واحد “هو ربي”

فأكملت رباب النشيد وهي تتقافز أمام “ويكا” وهو يعبث بالجرس، وما أن انتهت حتى احتضنت جسد “ويكا” كيفما يتفق نتيجة لجلوسه على الدراجة، وجرت تجاه باب المدرسة.

نزلت دمعة من عين “ويكا”، ما لم يكن يدركه “ويكا” أنه إنسان يحمل مشاعر وقلب وأحاسيس مثله مثل باقي البشر، حتى أنه يستطيع البكاء لعاطفة بريئة تجاهه، على الرغم من تعجبه هو ذاته عندما حدث له ذلك.

وقف “ويكا” أمام محل الأجهزة الكهربائية يطالع صاحبه وهو سعيد سعادة الغافل الذي لا يدرك أنه سيلقى مصرعه على يد “ويكا” اليوم، فقد كانت المكالمة الصباحية التي جاءته في الصباح هي لموافقة من يريد قتل صاحب المحل نتيجة لخلافات مادية بينهم، على مبلغ الخمسة آلاف جنيه الذي طلبهم “ويكا” منه.

ما لم يكن يدركه “ويكا” وأدركه الآن، هو أنه إذا ما قبض عليه، لمن سيعطي الخمسة آلاف جنيه؟

“رباب” بالطبع، حتى تحفظ المزيد من الأناشيد، وسيطلب منهن هي ووالدتها عدم زيارته، فزيارات السجن مُكلفة، لذا عندما عاد إلى دراجته وحاول العبث بالجرس ليتذكر النشيد الذي أحبه، لم يتذكر سوى واحد “هو ربي”، فأخذ يعيدها على نفسه، نفس الكلمة على مختلف نغمات اللحن الذي حفظه كأنما يخشى نسيانها أيضًا، لكن من مر بجواره في تلك اللحظة أثناء وضع قدمه على بدال الدراجة لينطلق، كان سيسمعه وهو ينظر إلى السماء مبتسمًا وهو يقول:

–  واحد هو ربي، هدها بقى.

تمت

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى