التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

بحجم حبة عنب.. أسئلة الإبهار الحاضرة

كتب: أحمد جاد الكريم

ربما لم تُرد الكاتبة منى الشيمي من روايتها “بحجم حبة عنب” إلا كتابة بكائية على سنوات عمرٍ مضى لَم يُخلِّف إلا أبناء فقدت أعزهم “زياد”؛ ذلك البطل المُسرطن، وبضعة جوائز تَنصب الظهر وتعدل الحال كان آخرها ما حصدته الرواية نفسها لجائزة ساويرس الأدبية، ودخولها القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية “البوكر”.

بين العادي والمدهش تسير رواية الشيمي؛ سفينة تمخر بحر هادئ الطباع مرة، وهائج مُكفهر مرات، سفينة حملت ملايين من الثواني وآلاف من الدقائق والساعات من عمر عائلة تقطن جنوب الصعيد، في مجتمع لا يعرف معنى الأدب؛ فضلاً عن أن يكون كاتب ذلك الأدب امرأة.

لا تنعي الكاتبةُ المرأةَ وتنوح على قدرها الذي أنبتها في بيئة ترى براعتها  وإبداعها لا يحق له أن يتجاوز جدران بيتها، وعطفها وحنانها لا يخرج على الورق وإنما هو ملك خاص للزوج أولاً ثم للأبناء بعد ذلك، وألا يخرج صوتها متسللاً من نافذة المطبخ كما كان يخرج دخان سيجارة الرَّاوية خُلسة لتلتقطه الأنف المتلصصة للجارة.

بدت الكاتبة “الرَّاوية” شامخة تُخرج لسانها لكل التقاليد البالية المُكبِلة لها كامرأة ومبدعة في الوقت نفسه، بل تُغَطَّ لكل تلك التُّراهات التي تناقلت من جيل لآخر دون فلترة، تبدو الرَّاوية قاسية حتى في حنوها، وعاطفتها تجاه عائلتها، أبنائها، زوجها، أخواتها، وأُمها، لم يسلم من ذلك إلا ذلك الحبيب الغائب “بكر”.

الغياب في الحياة كما الغياب في الفن هو مُعادل موضوعي للسعادة المنتظرة دائمًا، غياب “بكر” حبيب الرَّاوية خلقَ منه أسطورة مَحبةٍ ظلت باقية حتى بعد زواجها، والزوج نفسه ربما ظل وفيًا لـ “نهلة” التي لم يتزوجها – وإن لم يُعبّر عن ذلك صراحةً –  ظل الغائب هو الحاضر، وتنازع كلا من الرَّاوية والزوج الحنين له، في حين أن المسافة بينهما بدأت بالاتساع منذ اللحظة الأولى لزواجهما.

هل كانت الكاتبة تكتب سيرة روائية أو ذاتية لها؟

هذا السؤال سيكون مطروحًا في ذهن القارئ، وبقوة، أثناء تقليب صفحات الرواية.

الكاتبة لم تكتب سيرة بقدر ما كتبتْ مرثية لزمن لم يكن جميلاً، بل كان ضائعًا في البحث عن السعادة، كل شخص في الرواية “الحياة” يبحث عن سعادته؛ مرة في الحب، مرة في المال، ومرة في الشُهرة، ومرات في الكتابة كتعويض عن فقد كل ذلك وهو الطريق الذي اختارته الرَّواية، كعزاء عن السنوات التي ترمح خالية الجراب من ابتسامة.

لكن في كل ذلك أين يَكمُّن الإبهار؟

في المتن أم في الهامش؟ أعني بالمتن هنا الواقع شديد الحضور في الرواية، والهامش هو بُقع الخيال التي لا تنعدم وتؤطر دائمًا المتن، ولولاها لانتفت أسئلة الإبهار تمامًا.

عبر صفحات الرواية الطويلة التي بلغت 385 صفحة، تتقافز هذه الأسئلة، ربما تهدأ حينًا، ولكنها تستعر في أحيان كثيرة، رغبت الشيمي في إيضاح ذلك الخيال الروائي المُبهر عندما تحدثت عن الزوج “أحمد” ورحلته الدراسية إلى ليبيا وعلاقاته العاطفية هناك، وقصص أصدقائه وصديقاته الذين قابلهم هناك، ذكرتْ أن ذلك استوحته من بعض الخطابات والصور التي تخصه ووجدتها في دولابه في صندوق خشبي فضته بكل فضول واستماتة لمعرفة سر ذلك الزوج الذي سكن بعد الحركة في بلاد كثيرة، جمدت عاطفته التي كانت شديدة قبل ذلك، تطل من بين سطور خطاباته، فنفهم أن الخيال هنا أشعل شمعة تلو أخرى أضاءت متن الرواية وزادته دفئًا وحميميّةً.

لا يمكن تحييد العاطفة أثناء قراءة الرواية أو الكتابة عنها، ستصدمك كل حين فقرة تجعل عينك تدمع، وتتأكد أن الألم والموت والفراق كائنات حية يتغذى عليها الفن بكل أشكاله، والرفاهية رائحة فوَّاحة، جميلة، لكنها تزول سريعًا ولا تُطعم فمَ الإبداعِ إلا قليلاً.

تستقرئ الكاتبة المستقبل وتُقرب الصورة البعيدة “زوووم” وتضع نفسها أمام مشهد قادم يحمل رحيل الابن من الواقع لكن يظل بقاؤه مُعلقًا في العالم الافتراضي، ويصعب على الأم محو حساب ابنها في الفيسبوك رغم لجوئها للحيلة.

“اسمع يا زياد سيكون عذابًا البقاء في فضاء الإنترنت بعد رحيلك، وصورك مُعلقة بخيوط غير مرئية مع محرك البحث، ترأف بأمك. لن أقدر على ألا تُجيب على منشوري الذي سأكتبه، قائلة لك فيه: “إزيك يا حبيبي”. لن أتحمل رؤية تعليقات أصحابك عند صفحات الفتيات، وأنت هناك كنجمة محترقة في مكانٍ ما.

كل شيء يتلاعب بأعصاب الرّاوية “الأم المكلومة” حتى اللوحات المعدنية للسيارات، تقول: “كعادتي أراقب لوحات السيارات، لماذا هذه الحروف المبعثرة ( ل – ق – ق) هل هي رسائل مُبهمة؟ ( قلق). ( ت – و – م ). (موت). موت مرة أخرى. لن تموتَ يا زياد لا أتخيل حياتي دونك…”

ينقلب كل شيء ضدها ولا يقف بجوارها حتى مبنى المستشفى الدولي الذي يُعالج فيه الابن حيث يُستقبل الرئيس المخلوع مبارك في أحد أجنحته المجهولة، مُفارقة عجيبة تصادف الرَّاوية “مبارك الذي ظلت طول عمرها لا تحبه ثم يجمعهما مكان واحد، كان فألاً سيئًا لها، علامة للرحيل والاختفاء بعد وهج البزوغ وبدت النجمة في طريقها للاحتراق.

في النهاية تبدو رواية “بحجم حبة عنب” كدرب لم ينتهِ، وكرحلة لم تبتدئ بعد على حد تعبير الشاعر محمود درويش؛ رحلة تختزل حيوات مفككة بين الصعود والهبوط، النجاح والفشل، الحياة والموت، وصرخة الميلاد وشهقة الرحيل، جمعتها الكاتبة في طيات روايتها تأريخًا لذلك الزمن وحفظًا له من الضياع؛ ليظل الأبقى هو الفن أما الواقع فتراب منثور في الهواء.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة