التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

أم الوليّ

قصة: تسنيم فهيد

تلمس بيدها الحائط وكأنها تُمسّده. أرى نظرة الحزن التي تكسو ملامحها. تتوجه بكليتها للحائط وتبدأ في التمتمة. لا أتبيّن ما تقوله لكني أعرفه جيدًا. تتململ الصغيرة تحت الأغطية. فتقطع نجواها وتعود لتُحكم حولها الغطاء. تُصدر الصغيرة صوتًا يشي بالضيق. تبدأ في الربت عليها وتُخبرها أن عليها أن تصبر للصباح وتتماسك حتى تنقشع الحمى. تهدأ الصغيرة قليلا وتذهب في النوم. تمسح عنها حبّات العرق  وهي تردد “عَرق العافية.. عرق العافية”. تتشبث عيونها بالحائط فلا تلمح طيف أبي الذي ولج إلى الغرفة.

هي سيدة متعلمة. لكنها “أم”، قد تنساق وراء الخرافات من أجل الوصول لمبتاغها. حين أحضرت منذ عشر سنوات تلك السمكة الغريبة كريهة الرائحة وَجَل أبي. كانت قد عرفتْها عن طريق إحدى السيدات البسيطة في صالون تجميل. تقصت عنها وبحثت طويلا حتى آمنت أن هذه السمكة التي تتكاثر ذاتيًا قادرة على أن تمنح رَحِمَها –ببركتها- القدرة على الإنبات. لكن السمكة -التي عانت حتى عثرت عليها- ماتت بعد يومين من تواجدها في البيت. رفضت أن تُصدّق الفأل السيء وأن رَحِمَها أجدب لن يُنبت أبدًا، وألقت باللائمة على البيت الذي تشعر فيه بضيق وانقباض. وقررت أن تتركه. حاربت من أجل ذلك، حاربت وانتصرت. وفي البيت الجديد الذي تدخله الشمس وسبق وأن شهد ميلاد خمسة من الأبناء، لم تضطر لإحضار هذه السمكة، فقد حَمِلت منذ الشهر الأول. لكن الأطفال ذهبن مبكرًا جدًا. إما كــ “سقط” أو بعد شهور قليلة من مَجيئهن أحياء. لم تفقد الأمل ولم تفتر الرغبة التي تنهش قلبها وجسدها. وبدأت السير في خطين متوازيين. العلم والأطباء، والشيوخ والوصفات الشعبية. لا أعرف بالضبط تفاصيل دفنها لي في حائط الغرفة الصغيرة. لكني أظن أن إحداهن نصحتها بذلك. ففي الأرياف النائية والمناطق الشعبية تتكاثر الخرافات. ورغبتها في نبتة تنمو أمام عيونها وتكبر لتضرب جذورها في الأرض طغى على كل شيء. حين أخبرت الطبيبة أنها تُريد بقايا “سقطها” كي تدفنه بنفسها لم تعترض. ولكن حين عادت بي للبيت، ثار أبي ورفض رفضًا تامًا أن تنساق وراء “الجهل” وتضعني في الحائط كي أحمي القادمين من بعدي. بكاؤها لم يشفع لها عنده، وخرج مغاضبًا. لكنها عنيدة جدًا ومتشبثة بالحياة. أزاحت الخزانة وصنعت حفرة في الحائط. ووضعت الـخِرقة التي تحمل بقايا الدم والمضغة وسوّت عليها بالجبس الأبيض. ظلت تقرأ أورادًا غريبة وآياتٍ محددة وتطلب مني أن أكون الحارس لأبنائها القادمين. إخوتي. أعادت الخزانة موضعها. واتصلت بأبي بعد يومين وأخبرته أنها نزلت على رغبته وستذهب الآن للتخلص من بقايا “حارث”. ورغم أنها لم تعرف أني ذكرٌ. إلا أنها قررت أن تُطلق عليَّ “حارثًا”. آملة في أني قد “حرثت” رحمها من أجل الآتين بعدي. وحين اكتمل حمل الصغيرة أخيًرا وجاءت، أسمتها “نور”. وأخبرت أبي أنها ستُنير عتمة حياتهم. لكن الصغيرة التي صمدت سنة ونصف، تقف الآن ممزقة، على بضع خطوات من الموتِ و.. الحياة.

تمسّد “أمي” الحائط الذي وضعتني فيه قبل سنوات بعيدة. تطلب مني أن أتحول من “حارث” إلى “حارس”. تُعلِّق عينيها بالحائط والسقف. تناجي الرب وتتشفع بعدد من فقدت طيلة سنوات كثيرة. تنظر للحائط بغضب، تطلب مني أن أفعل شيئًا وأن أمنع ملك الموت من أن يجوس الغرفة ويقترب من أُختي. أسمع بكاءها ونجواها وأتطلع معها –عاجزًا- نحو السقف.

تغفو وهي تقرأ الأوراد والآيات. أجد القوة والفضول للخروج من الحائط. أتحرك نحو الصغيرة النائمة التي تشع حرارة. أقترب منها فتفتح عيونها. تبتسم لي وتمد يدها كي تلمسني. أرتعد وأتراجع. هل تراني؟!. عيونها تتبعني أينما ذهبت. أنا لا أعرف شكلي. أنا مضغة لم تكتمل. هل استطالت قامتي وصرت رجلا؟ أم أنها تراني طفلا في مثل عمرها؟!. الصغيرة التي ظلت تصدر أصواتًا غير مفهومة كانت تمد يدها في اتجاهي وتبتسم بعذوبة. غالبت خوفي واقتربت منها فأضاء وجهها. مددت يدي ومسحت على رأسها الساخن وجلستُ بجوراها أردد تلك الأوراد الغريبة التي كانت تتمتم بها أمي. هدأت الحرارة وغفت الصغيرة وهي ممسكة بأهداب خِرَقي البالية. حاولت أن أنسل عائدًا لجداري فتململتْ وقبضتْ عليّ بشدة فتركتُ بين أصباعها قطعة من خِرَقى.

في الصباح انتبهت على بكاء أمي فارتعدت. لكن صوت الصغيرة ربت على قلبي. وانتبهت أن بكاءها مقرونًا بحوقلة وبسملة وربتات متباعدة على فخذها وهي تتمتم كنت أعلم.. كنت واثقة، الحارث وليّ، الحارث وليّ. اتسعت عيون أبي وهي تحكي له ما كان من أمر الحائط و”السقط” المدفون فيه وتُريه الخِرقة التي وجدتها في يد الصغيرة. وحين أزاح الخزانة ووجد بقعة الجبس الأبيض تتوسط الجدار. شهق غير مصدق وأخبرها: لدينا وليّ. ابننا وليّ يا أم الوليّ.

الغرفة صارت قِبلة أصحاب المقاصد. الحائط الذي أقبع فيه صار أخضر اللون بعد أن أزاحوا الخزانة وأعادوا طلائه. الفراش الوحيد في الغرفة صار يستقبل الأطفال المرضى والنساء العجائز اللواتي يخشين الموت ليبتن الليل فيه وينتظرن أن أخرج من الحائط لأتلو عليهم تلك الأوراد الغريبة التي رددتُها على مسامِع “نور” فحَرَستها وقهرت الموت. أمي رفضت أن تتقاضى أجرًا أو أن تضع صندوقًا للنذور كما أشار عليها البعض، تكتفي فقط بأن تختال على الجميع بأنها أول من صدّق في سيدنا “الحارث” وأنها -هي- أم الوليّ .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى