التخطي إلى شريط الأدوات
ترجمة

باتجاه صقلية

ترجمة: ياسر شعبان

جلبنا القارب البخاري إلى ميناء صقلية، ولقد ملأتني تلك الليلة الأخيرة في البحر المتوسط بفزع شديد. فعند الاقتراب التدريجي من مكان وقوع الكارثة، تجاوز الواقع قدرتي على الفهم، لم أستطع فعليًا تصديق أننا صباح اليوم التالي سنصل إلى مرسين، أضنة، صقلية؛ تلك الأماكن التي قرأنا عنها طوال أسابيع، الأماكن التي استقرت بعقولنا. هناك، سنجد جرحًا مفتوحًا ينزف، ومجرد التفكير في لمسه جعل ومضة مؤلمة تسري بداخلي.

أحاطنا جو صافٍ ودافئ. وتحت سماء مُرصعة بالنجوم، كانت أمواج البحر المتوسط داكنة الزُرقة تضرب قاربنا البخاري بلطف. كان هناك صراع بين جمال الطبيعة الثابت الزاهي وبين الأفكار المؤرقة التي تتدافع بلا توقف داخل عقولنا. وأصبح هذا الصراع مرهقًا للغاية لدرجة أنه سبب لي ألمًا بدنيًا.

كانت فكرة الغوص عميقًا بقلب الكارثة تؤدي إلى شعور مقبض باليأس بداخل كل منا، ورغم أننا كنا نسير على سطح القارب صامتين حتى وقت متأخر من الليل دون الإفصاح عن مشاعرنا، كنت مقتنعة بأن كل عقل كل منا محاصر بنفس الفضول الشديد. على سطح القارب كان هناك الأتراك والأرمن.

وعلى نفس القارب كانت البعثة الثانية للبطرك وأعضاء الدائرة الرسمية العسكرية الثانية. كذلك كان هناك تجار مصابين وأقارب للضحايا، والذين كانوا يهرعون إلى الحطام لرؤية حجم الكارثة بعيونهم.

بقينا على سطح القارب إلى ما بعد منتصف الليل. وكثيرًا ما كانت زفرات القلوب المكلومة تصل لمقصورات الدرجة الثالثة بأسفل القارب. وعلى السطح، من الممكن أحيانًا رؤية القلنسوة السوداء لأحد الكهنة الأرمن في الضوء الباهت المنبعث من فوانيس القارب. وكان الجنود يسيرون كمجموعة، قريبين من بعضهم البعض، وكان بوسعي سماع أجزاء من حوارهم:

ــ كلما اقتربنا من مرسين، زادت حرقة القلب مصحوبة بألم لا تفسير له.

وأسفل سطح المركب، سمعت تنهيدة عميقة لمسافر، كما لو كانت إشارة لتأكيد ذلك التفكير.

وحدي في مقصورتي، كنت محاصرًا بالواقع الذي قد أراه يوم غد. وحتى تلك اللحظة، بدا الأمر كما لو كينونتي الداخلية كانت غارقة في ضوء غير مألوف، والذي بدلًا من منح أفكاري شكلًا محددًا، جعلها مشوشة وحجبها خلف غشاوة من الحيرة. وفي مثل هذه الحالة المحمومة للذهن، كانت هناك صورة تعاودني بإصرار مفتتة.

قبل شهرين، غادر رجال ونساء من الصليب الأحمر مدينة جلطا. كانوا أول المغادرين. وأمطرت السماء بشكل دائم على المدينة، وكانت ستامبول مغطاة بالرطوبة والضباب الرمادي وكل شيء جالب للحزن اللانهائي. وخلفنا، تعالت أغنيات حزينة بأصوات خشنة تقطر لوعة، قادمة من المقاهي بامتداد الرصيف البحري، مثل صرخات نحيب حادة من الألم.

كنا جميعًا شاحبين مثل الجثث، لكننا حاولنا دون طائل أن نبتسم في وجوه المسافرين. وبدأ القارب الإبحار. وكان وجه أحد الأمهات يتبدد تدريجيًا مع ابتعاد القارب. وإلى جوارنا، كانت ابنتها المراهقة تجاهد لتبتسم في محاولة لإخفاء كل ما تعانيه روحها الشابة من معاناة.

وهذا الخليط من وجه الأم المتبدد في الضباب الرمادي، والألحان الحزينة القادمة من المقاهي بامتداد الرصيف البحري، وهطول الأمطار -جامعة بين القسوة والسكينة بآن واحد- على المدينة، جلب إلى روحي شعورًا جعلني متوترة وغير قادرة على الوقوف.

وخلال طريق عودتنا، كنا جميعًا حزانى وغارقين في التفكير. وفي حلم أحمر، رأيت المدينة مشتعلة، والناس مبعدين لمكان قصي، والفتيات الغاضبات في ملابس الحداد والمشانق- المشانق في كل مكان!

وما كان حينئذ محض كابوس مبهم، سيصبح عالمي الواقعي خلال بضع ساعات.

توقف القارب البخاري. سريعًا صعدت للسطح. واعتقدت أنني أول من وصل هناك، لكنني وجدت الجميع قد تجمعوا. كانت وجوه الجميع شاحبة للغاية، وكانوا حريصين ألا تلتقي عيونهم المحرومة من النوم بعيون غيرهم من المسافرين.

وشَكَّل الجنود مجموعة فيما بينهم، ووقفوا يتطلعون لمدينة مسرين بانتباه وعيونهم ملآنة بالحزن. ونحو قبرص، بوجه شاحب يقطر حزنًا؛ أسفل قلنسوة مخملية سوداء، التفت أحد كهنة إرسالية البطرك.

بذات الوقت، اندفعت قوارب صغيرة باتجاهنا، وسارع الجنود بالنزول. تجاوزونا، محاولين تجنب نظرتنا، وسريعًا ودعونا ملوحين بحزن. كانت خطواتهم غير منتظمة، يغلب عليها الارتباك، وكان بوسعنا سماع أصوات احتكاك سيوفهم بالأرض.

وفي هذه اللحظة، كان من الصعب تقرير من كان حزينًا: نحن أم هم.

مسرين أمامنا. كانت أرضها المنبسطة الزرقاء تمتد نحو سلسلة من الجبال يغلفها الضباب، وكانت التوليفة اللونية لشروق الشمس تتحرك ببطء عبر ذلك الامتداد للبساطة الريفية. ومجددًا، أصبح كابوس الكارثة تفكيرًا بعيدًا، وكان بداخلي دافع لأبتسم لرؤية السماء المشمسة. لكن الإرسالية كانت مستعدة ومنتظرة، وكانت قواربنا على وشك الوصول.

وتفحصتنا الوجوه المتوترة الكئيبة، ليصبح كل شيء بداخلي قاتمًا.

كان للكهنة سمت الجدية والمهابة، كما لو كانوا متأهبين لجنازة ما. أصبحنا جميعًا أكثر شحوبًا. انقبض قلبي بحزن لا حد له، وشعرت كما لو أن أوردتي قد تجمدت.

فهؤلاء القادمون لمقابلتنا رأوا كل شيء. بعضهم فرّ من النيران والسيوف. كانت ألسنة اللهب المتزايدة تتراقص في عيونهم، ومنحت مرارة الذكريات كلماتهم سرعة مربكة. وفي هذه الدقائق القليلة، أخبرونا بأشياء عديدة. ورغم يأسنا غير المحدود، بدت كلماتنا لهم مليئة بتفاؤل لا معني له. هزوا رؤسهم وقالوا: ــ كيف بوسعكم أن تكونوا واثقين هكذا، وأنتم بالكاد قد غادرتم القارب؟

وعند وصولنا لمرسين، كان انطباعي عنها واضحًا للغاية. بدا الأمر كما لو أننا قد عبرنا الحد إلى واقع الموت. واستقبلنا الناس بحزن صامت. هزوا أيدينا ومروا أمامنا. صافحونا ومروا من أمامنا. فما الغريب بنا جعلهم لا يرغبون في الحديث معنا؟ ملتجئين لحزنهم، وقفوا معًا في مجموعة وتابعونا بعيون ممتلئة بالدموع.

كان الفندق الذي نزلنا به ممتلئًا بجميع أنواع الفارين. وهنا وجدنا كذلك البطرك وسرعان ما قدمونا له. وطوال اليوم، وبدا الأمر كما لو أنني أري كل شيء في كابوس: نسوة يرتدين السواد، أهل الضحايا الأوائل، ونحيب وتأوهات المجروحين، واليتامى والأرامل والذين تجددت لوعتهم عند رؤيتنا.

غدًا سنتوجه لأدضنة، لنكون بين الحطام. فكرت دون انفعال في الأمر، وأمضيت ليلة أخرى بلا نوم، وقلبي منقبض تحت وطأة الحزن. كان الليل باردًا. ورطوبة البحر الهائج أحاطت بالمدينة النائمة. كان هدير الأمواج يبعث الطمأنينة بداخلي، مثل قوافل من الجمال بطيئة الحركة في حركتها اللانهائية عبر الشارع، وصوت الأجراس يميز حركتها المتموجة.

  • مجتزأ من كتاب بعنوان (بين الحطام Amid The Ruins)، 1911، والذي تتناول فيها الكاتبة تجربتها مع كارثة مذابح عام 1909 في صقلية.
  • ترجمتها للإنجليزية: جنيفر مانوكيان.
  • المجتزأ منشور في 5 أكتوبر 2012، بمجلة The Armenian Weekly.
اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى