التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“ترنيمة سلام”.. ترنيمة نحو التطهّر واستعادة جمال الكون

كتب: أدهم العبودي

ما أقبح العالم!

إنّ العالمَ قبيحٌ لحدٍ لا يُمكن تصوّره، قبيحٌ ولا يد لنا في قبحِه، قبيحٌ وليس باستطاعتنا تغييره، والسؤال: ما الذي يمكننا أن نفعله لأجل تغيير القبح السائد في هذا العالم؟

في رواية “ترنيمة سلام” للكاتب “أحمد عبد المجيد” الصادرة عن دار “نون” والتي ترشّحت لجائزة “الشيخ زايد” دورة 2013 تجد معالجة ينسجها الكاتب من حولك يمكنها أن تمنحك تصوّرات حسيّة لهذه الفكرة؛ وهي فكرة تغيير القُبح، أنت –في هذه الرواية- لا تقرأ فحسب.. بل تعايش تطوّرات بطل الرواية النفسية والإنسانية، ورحلته من مسلّمات مُهلِكة نحو مسلّمات أخرى لم يكن يراها، فقط لأنّه كاد يستغرق تمامًا في مستنقع القُبح، لهذا، لم يكن غريبًا أن يتمّ كسر الحاجز الإيهامي بين الكاتب والمتلقّي، لا سيّما وأنّ الكاتب يمتلك أدوات تمكّن من خلالها من كسر هذا الحاجز، منها اللغة البسيطة؛ المعبّرة بذات الوقت، والانسيابية في السرد، لذا قد يجد المتلقّي أنّه –ومع متعة القراءة- لديه رغبة في استكشاف المزيد من هذا العالم الصوفي الذي انطلق الكاتب من خلاله، وجعله محورًا يرتكز عليه وهو يبثّ سرده في رويّة وفي هدوء، بلا ضجيج أو زخرفة. هنا؛ في هذه الرواية، تعلو قيمة الانسان، الذي يرتشف التطوّر الذهني على مهل، تعلو مباديء العدالة التي ينبغي أن يوفّرها المجتمع للفرد، حيث إنّ الفرد في حدّ ذاته بات مؤسّسة، دولة بأكملها، يحرّك، ويبدّل مصيره، هذا هو الفرد الذي يجب أن يستحق عدالة المجتمع.

بطل الرواية اسمه “خالد محفوظ”، لم يعن الكاتب كثيرًا البحث في المزايا قدر البحث في آفات السلوك التي طالت البطل من تراكمات معيّنة في ماضيه ومن قدر تعرّض له، لم يعنه أن يرسم خطوطًا عريضة للشخصية ومن ثمّ يتتبعها، وإن بدت تلك مثلبة يمكننا أن نقف أمامها طويلاً، لم يهتم ببناء الشخصية هذا البناء الذي يكشف لنا أكثر فأكثر عن خبايا البطل، كان شغله الشاغل بناء الرحلة وتفكيكها وفضّها أمام المتلقّي، ممّا يحيلنا إلى رواية “السيميائي” لـ “باولو كويلهو”، والتي يبدو فضاء رواية “ترنيمة سلام” الإنساني متماهيًا للغاية مع فضائها، بل تجد أنّ ثمّة خطوط متقاطعة أخرى بين كلا الروايتين، منها أسطورة الرحلة التي يقوم بها بطلا الروايتين، من أجل الوصول إلى شخصيتهما الحقيقيتين، كذلك ربما منها اللغة السلسة، التي تتواءم تمامًا مع حالة الارتحال نحو المصير الأكثر نصاعة ورسوخًا في تاريخ البطلين، لم تبد ثمّة خطوط عريضة لشخصية “خالد محفوظ” بطل “ترنيمة سلام” إذًا، عكس “السيميائي”، وهو ما يبدو –ظاهريًا- من عوار العمل، لولا إنّ الرواية دعوية في مجملها.. تدعو إلى النقاء والطهارة والارتقاء بالروح، ولولا أنّ انغماس المتلقّي في بحر السرد قد يذهب به بعيدًا عن ملاحظات من هذا القبيل، نجح الكاتب هنا في فرض تصوّره عن العالم على المتلقّي، بل يمكنني أن أذهب إلى أنّه نجح أيضًا في فرض تأثيره عليه.

تبدأ الرواية هذه البداية التقليدية، لقاء في قطار بين الراوي الرئيس، والذي لم يكن له دور في تحريك الأحداث، فبدا باهتًا، وبين الشخصية الغامضة التي –وبلا مبرّر- تنتقي الراوي لكي يحمل الحكاية، لبّ الموضوع هنا إذن والدور الرئيس للراوي هو حمل الحكاية، وهو دور يمكننا أن نتقبّله بما له وما عليه، عدا هذا؛ كان يمكن للكاتب استخدام أكثر من حيلة وأكثر من سبيل لفرض الحكاية على المتلقّي، فضلاً عن الحيلة، فإنّ البداية “الكلاسيكية” للنّص –من وجهة نظري- ساعدت كثيرًا لدفع المتلقّي داخل المتن، وإنّ ظلّت التساؤلات حول الحيلة الفنيّة داخل الرواية بلا إجابة، الرواية تخلو من الحيّل عدا هذا الخيط الواهي بين الكاتب والمتلقّي من الإحساس، ثمّة إحساس مشعّ داخل الرواية، هو ما أنجح الرواية وجعلها طازجة دومًا، ومتاحة لكلّ التأويلات.

(أنا هو أنا).. (كلّنا أنا).. (أنا الشجرة).

غلبت اللغة الصوفية على السرد، وإن نجحت تمامًا في الحوار، ركيزة الرواية الأساسية كان الحوار، ويمكن إضافة معان مرتبطة بقيمة الحوار: أنا الحكمة.. أنا التروّي.. أنا الفالت من مدار الزمن.

“خالد عبد المحفوظ” هو كلّ شخص يبغي التطهّر، كان حيًّا داخل الرواية، صنع الكاتب علاقة مباشرة بينه وبين المتلقّي.

رواية تستحق الإشادة، تستحق أكثر من دراسة نقدية، واهتمام النقّاد، بل يمكننا أن نذهب إلى أنّها تستحق الاحتفاء الحقيقي وسط كلّ الروايات التي لا تُعمل عقل المتلقّي ولا تجعله شريكًا أساسيًا في المسألة.

لكنّ كان يمكن للرواية أن تنتهي عند جملة “مرحبًا بكِ يا حياة” صفحة 326، فما يلي ذلك، بدا استطرادًا أثقل الرواية ولم يفد قدر ما ضرّ.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة