التخطي إلى شريط الأدوات
قصة

ثقوب في الجدار

كتب: أحمد إبراهيم

يطبق عليه بكل هدوء وإنسياب..

يجذبه بكل قوه نحو الأعماق..

يتخلل جميع أجزاء جسده..

ينساب داخل خلاياه ببراعة متقنة..

يرتحل مع دمائه تحمله وصلاته العصبية إلى المخ فيومض بقوة..

تمتلئ به رئتاه لوهلة يتغلغل فيها داخل روحه فلا يلبث إن يبدأ رحلته في الرحيل إلى الخارج بعد أن تتشبع به فتنوء عن حمله..

فاغرا فاه بهدوء تاركًا عمود الدخان طليقًا يصنع خيالات مُبعثرة على الجدار أمامه,

وخيالات أكثر بعثرة داخل عقله..

يحني رأسه للخلف مُنصتًا  لموسيقى ما تنبعث من أعماق رأسه لا يعرف مصدرها تحديدًا, ولم يفكر لحظة في البحث عنه إلا إنه يعي تمامًا أن العرض على وشك البدء..

لذا أغمض عينيه.. وسافر..

أدمن هذا العالم السري الذي طالما وجد به ضالته.. الهروب..

قليلاً ما يخرج منه ليواجه واقعه المهترئ..

وحياته المليئة بالثقوب ووحدته القاتلة..

فلا يلبث أن يهرول مُسرعًا إلى عالمه الخاص..

يغلق الأبواب عليه في شقته الكبيرة الخالية تمامًا من الحياة..

يطفئ الأنوار جميعًا إلا من ضوء خافت صنعه لنفسه في أقصى الغرفة “لزوم الدماغ”..

صانعًا لنفسه عدة سجائر “وصاية” مع بعض الأدوية ذات الأثر الكيميائي قوي المفعول, ولا يخلو الأمر في بعض الأحيان من حقنةً ما في الوريد..

ويشرع في طقوسه المعتادة..

وما بين تراقص الدخان وفرقعة الولاعة ووخز الابرة..

يشتعل عالمه الساكن بالحركة والضجيج..

أصوات وألوان ورقصات وخيالات وضحك وجنون..

عالم كامل مليء بالسحر والروعة يجزبه لأعلى متحررًا من كل قيود الزمان والمكان

يختفي طنين أفكاره اليومية المليئة بمحطات الفشل..

الفشل في عمله الذي فقده واحدًا تلو الآخر..

كأصدقائه الذين تركوه بعد أن أفلس تمامًا..

فشله في أن يبني أسرة دون محاكم وجلسات صلح ونفقة وطلاق..

فشله حتى في الاحساس بدفء أسرته..

بعد أن اختار والديه العمل بالخارج وهو في أمس الحاجة إليهما وتركاه..

يقاسي الطفولة وحيدًا..

رحلا في حادثة طريق ورحل معهم دفء تمني لو ملأ قلبه, وارتوت منه روحه..

رحلا تاركين له مئات الآلاف من الجنيهات، فشل تمامًا في الحفاظ عليها فلحقت بهم في بضع سنوات..

يزداد ثقل المعاناه على روحه كلما انتحى بنفسه جانبًا..

فقد الإحساس بالمعاني..

ولم يَعُد يدرك سببًا لوجوده..

لذا يعيش داخل عالم اختاره رغمًا عنه..

يستنشق زيفه كل مساء ولا يكاد يفيق منه تمامًا فيلقي بنفسه داخله أكثر وأكثر..

يَصُم أذنيه لأي نصيحة ولا يمد يد العون لمن يود انتشاله.

أيقن تمامًا أنه بانتظارها وأنها قادمة لا محالة..

إنها النهاية التي طالما اشتاق لها..

يسعل بشدة وشبح ابتسامه يعلو وجهه..

يتحامل لينهض مُترنحًا تارة ومستندًا على الجدار تارة أخرى..

يسقط على طرف المنضدة فتتطاير كوؤس الشراب والزجاجات الفارغة..

تتداعى أمامه صورة لابنته التي لا يدرك حتى كم عمرها..

يعتصر ذاكرته محاولًا استعادة ملامحها, كما تزداد عينيه ضيقًا… دون جدوى..

زوجته التي لم تحتمل سجائره الشيطانية ولا عقله المريض.. وروحه البالية..

تنفجر قبضته في الجدار أمامه مرات ومرات..

تزداد ابتسامته اتساعًا دون أن يشغل باله بمعرفة سببها..

عمله الذي طرد منه لكثرة غيابه..

والآخر لعدم تركيزه.. والثالث لسلوكه الشاذ..

ومشاريعه المتعددة.. تلك التي باءت جميعها بالفشل كأنه وشم على جبينه يأبى أن يزول.

صورة لوالداه مُعلقة على الجدار..

معها يبدأ وينتهي كل شيء..

تحامل على نفسه ليجمع شتاتها رافعًا ذراعيه في محاولة للامساك بالصورة التي سقطت منه لتتحطم على أرضية الغرفة.

قدماه العاريتان تجوسان داخل الزجاج المتناثر فوق الصورة..

تدهسان ملامح توارت داخل الأرض تأبى أن تتوارى من عقله..

تنزف قدماه فتنساب الدماء فوق الصورة تغرقها أكثر وأكثر..

تزداد ضحكته تألقًا..

ويزداد بريق عينيه..

وتنساب دموعه لتغرق وجهه..

وما أن ينتهي العرض حتى ينحني ليمسك بالصورة, يرفعها عاليًا محاولاً أن يبين ملامحها..

دون جدوى..

فيهرع لنافذته يستنشق هواء يُعيد صوابه المفقود مره أخرى..

من الطابق السادس ألقاها..

حملها الهواء بكافة الأنحاء, صانعًا منها دوائر ومنحنيات..

خمس دقائق تحتاجها الصورة حتى تلامس الأرض..

إلا أنه لم يستغرق ثوان خلالها احتضن الطريق بصوت مُدوي!!

لم يحمله الهواء ولم يتأرجح تمامًا..

تجمع المارة حول الجسد الغارق في الدماء في محاولة يائسة لفعل أي شيء دون  جدوى..

حملوه لأقرب مستشفى وقد فارق الحياة..

وخلفه تتأرجح صورة!!

معها يبدأ وينتهي كل شيء..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق