التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

جدوى الكتابة

كتب: د. أحمد عمر

عندما يتعرض جسدك للحريق، فهل من حائط تستند إليه سوى الكتابة؟

بهذه الكلمات الرائعة، خاطب المُخرج المسرحي العراقي جواد الأسدي، صديقه ورفيق دربه الكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس، عندما علم بإصابته بمرض السرطان، مُحفزًا له على الكتابة، لعله يُخفف من آلام جسده، ويُكمل شهادته على عصره.

وبالفعل، فقد جاءت كتابات سعد الله ونوس المسرحية، مثل الملك هو الملك، والأيام المخمورة، ومنمنمات تاريخية، وطقوس الإشارات والتحولات، وملحمة السراب، شهادة له على تاريخ أمته وعصره، وتشخيصًا لأمراض مجتمعه، وصرخة في وجه كل قوى الاستبداد والقهر، والتزييف والتدليس، وانتهاك ومسخ أرواح وذوات البشر قبل أجسادهم، كما تأسست كلها على قراءة واعية ونقدية للمجتمع العربي وتاريخه في بُناه العميقة.

ومن أهم الملامح التي يجب أن نتوقف عندها في مسرح سعد الله ونوس، هو إيمانه بجدوى الكلمة، وفاعليتها ودورها في بناء الوعي والمقاومة، ونقده للكلمة المحايدة التي لا تنحاز للحق والعدل، عندما يسود الباطل والظلم، وحديثه عن محنة العالم المثقف عندما يتهرب من مسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه في زمن الأزمة، باسم الحياد والموضوعية حينًا، وبحثًا عن السلامة الشخصية وجني المكاسب المادية في أغلب الأحيان.

وقد عَبر سعد الله ونوس عن رأيه في جدوى وأهمية الكلمة المقاومة، ورفض دعاوى السلبية والانهزامية، عبر مسرحية “منمنمات تاريخية” عندما قال على لسان “آزدار” أمير قلعة دمشق، الذي رفض تسليمها للتتار، وأصر على المقاومة بشرف، بعد أن خان وهان واستسلم العلماء والأعيان: “أني هنا، لكي لا يُقال في قادم الأيام: اجتاح تيمور هذه البلاد، ولم يُوجد من يقاوم، أو يقول لا. أني هنا لكي أُبقي شيئًا من الكرامة لأطفالكم وأحفادكم، حين يأتي الوقت كي يرفعوا الانقاض، ويفكروا بالمستقبل”.

وهذا يعني أن المقاومة ورفض ظلم وقبح الأمر الواقع، والسعي بالكلمة والفعل، لإصلاح الواقع المتردي فيما حولك، هو عمل من صميم الكرامة الإنسانية، ومهمة يتحتم على المشتغل بالعلم وصناعة الكتابة والثقافة، أن يؤديها لكي يعطي لحياته معنى ولوجوده قيمة، ولكي يكسب احترامه لنفسه، واحترام الناس والأجيال المقبلة له.

وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الكلام جزءًا من خطاب مثالي حالم، لا علاقة له بواقعنا المعاصر، الذي ابتذلت فيه الكلمات، وأصبحت غير مؤثرة، بعد أن صارت سلعة زائفة تُباع وتُشترى في سوق التدليس والمصالح الشخصية.

غير أن قبولنا بوجهة النظر تلك، رغم ما بها من جوانب حقيقية، يعني أن يفقد كل مخلص مشتغل بالبحث العلمي، والكتابة بكل تجلياتها، مبرر وجوده، ويتحول إلى  “بطل ضد” مهزوم يكتب ليبكي العمر، ويرثي الذات والأحلام.

ولذا يجب علينا، أن نُعيد لأنفسنا وللمتلقين، الإيمان بقدسية الكلمة الواعية الصادقة، وبجدوها وقدرتها على التأثير والتغيير، ولنكتب دون يأس عن آلامنا، وأحلامنا، وأمرضنا الدينية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وكافة المعوقات التي تُحول بيننا وبين تحقيق أحلامنا الشخصية والوطنية.

لنبحث ونكتب، لنشهد على عصرنا، ونقول كلمتنا، ولنحرص على أن تكون كتابتنا رصينة أصيلة وصادقة، وليست بضاعة زائفة مؤسسة على الحرفية والمهارة اللغوية، لأننا سئمنا من كلمات وكتابات المدلسين المتعالين المتمركزين حول ذواتهم ومصالحهم، المعزولين عن الناس ومعاناتهم الحقيقة، العائشين في تاريخهم الفردي الموهوم، الذين يتلهون بلعبة الكتابة، وبالكلمات في انتظامها وإيقاعها وترابطها بلا مضمون حقيقي، وبلا رسالة ضمنية، وبلا غاية، سوى جني مكاسب مادية وصنع شُهرة زائفة.

لنكتب لأن الكتابة، هي طوق نجاتنا في زمن الطوفان، وهي الحائط الذي نستند عليه عندما تحترق أرواحنا وأجسادنا من الشوق أو المرض، وهي خيط أريانا الذي يدلنا على باب الخروج من متاهة الحياة والواقع المتردي حولنا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى