التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

شوق الدرويش.. رواية مَلحَمية

كتب: مصطفى الفرماوي

رواية “شوق الدرويش” لحمّور زيادة HamourZiadahالصادرة عن دار العين “مصر” والفائزة بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية والتي وصلت هذا العام إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية والتي أثبتت أن الرواية التاريخية الجيدة ليست مُجرد بحث مدقق على الإنترنت أو المواقع المهتمة بالتاريخ أو مجرد رغبة في استلهام التاريخ بل هي مُعَايشة حقيقية للواقع في السودان، حيث تحكي وقائع هامة جعلتها تبدو وكأنها رواية ملحمية تدور أحداثها في زمن الثورة المهدية بالسودان التي قامت بزعامة محمد أحمد المهدي ردًا على مظالم الحكم التركي المصري، لا تقصد الأحداث لكنها ترفع الهامش فيصبح متنًا.. هي رواية عن تاريخ السودان في القرن التاسع عشر (1885– 1899م)، والثورة المهدية التي ادعى فيها أحدهم أنه المهدي المنتظر الذي جاء ليملأ الدنيا عدلاً وسلامًا بعد أن ملآهـا الكفار -كما يقولون- ظلمًا وجورًا ودماءً..
فكانت النتيجة مزيد من الظلم، مزيد من التشرد، مزيد من الضحايا، والكثير والكثير من الدماء.
رواية مُمتعة، تبدأ بداية مُبهمة غامضة بعض الشيء وتبدأ الأحداث تعود للوراء بطريقة أشبه بالفلاش باك بين زمنين، أو بالأحرى بدون ترتيب زمني واضح.
ShowkElDarwish_1الكاتب يكتب الأحداث وكأنه يتذكرها ويكتبها على الورق، لكن برغم ذلك يظل ترتيب الأحداث منطقي دون خلل وبدون أن يضيع منك خيط الأحداث وهي ببساطة تدور حول “بخيت منديل” الذي يحب، يفقد، يسجن، يثأر، يربطنا الكاتب بخيط عبر عوالمه لتزيد الرؤية.
وتتضح الصورة أكثر كلما ولجنا في العوالم، ورغم تشظي الزمن، وتدوير الأحداث إلا أنه الكاتب مزجها بفن، وربط بينها بذكاء، وسردها بحس، بشوق درويش، ووجد صوفي، ولوعة محب، حتى المفاجأة يوظفها بشكل مُذهل، وفي الوقت الذي نشعر فيها بموت الحدث، يبعثه تارة أخرى وبقناعة تندر أن نجدها في عمل أدبي، إلا في مثل هذه الرواية الباذخة، هذا غير إلمام الكاتب بالأحداث الكبرى التاريخية، والوثائق، والمذكرات، ومزجها بالهامش، مع إحاطة بالتفاصيل الصغيرة التي اعطت الرواية مسحة صوفية مقبولة.
في هذه الرواية يحضر الرمز، ويهمش، ويأتي البسيط فيعتلي الحدث ويصبح بطلاً، يقربه الكاتب من القارئ!
لغة سردية فريدة، سهلة ولذيذة، مطعمة بشعرية خفيفة، وبوجد صوفي يبعث في النفس الانتشاء، رواية متماسكة، لا حشو، ولا ترهل، حوارها موظف وموزون، مُطعمة بالمحلية اللذيذة، والشعر العامي، لا تشعر معها بملل، ولا يعتريك ثقل، تطوي الصفحات سريعًا، وتلعن العوارض التي تقطعك عن مواصلة القراءة أو أي شيء يقطع أو يذهب بك بعيدًا عنها حتى إنك تقلب صفحاتها بسرعة غير معهودة في روايات أخرى، وبالرغم من أن عدد صفحاتها هو 464 صفحة وهي تبدو للبعض منا إنها رواية طويلة وكبيرة، لكنها ذابت في يدي بسرعة وانتابتني حسرة لأني انتهيت منها سريعًا ربما لندرة الأعمال التي تستوقفك هكذا أو لأن الرواية غير مملة ومشبعة بالشِعر والكلمات الصوفية التي ذكرتني برواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة الياف شافاق..
قد يعاني القارئ من كثرة الشخوص، لكنها رواية تتحدث عن ما يحدث في هامش البلابل والثورات والتحولات المصيرية طبيعي جدًا أن يكون بها هذا العدد من الشخصيات الكثيرة، والذي ربما يبدو مقبولاً أمام روايات مشهورة عرفت بكثرة الشخصيات.
رواية متفردة فنًا ومضمونًا، علامة فاصلة في السرد السوداني، وفارقة في السرد العربي.
.. الرواية تُجسد الكابوس الذى جرى قديمًا، (ويجرى في هذه اللحظات على أكثر من أرض وذلك من خلال قصة حب خارقة في حساسيتها بين بخيت منديل، السوداني المؤمن بالمهدية، وثيودورا الراهبة الأرثوذكسية، يونانية الأصل، التي سقطت سبية في يد أنصار مهدي الله لدى إجتياحهم الخرطوم..
ShowkElDarwish_2قصة الحب هنا هي الأرق والأصدق فيما قيل وحُكِىَ من قصص الحب، سواء في دقة ورهافة التعبير عن مشاعر بخيت الملتهبة والمتأرجحة بين العشق والغيرة، ومشاعر ثيودورا الغامضة والمتأرجحة بدورها بين النفور من الزنجي المنتمي لمجتمع همجي أذلها ودمر حياتها، والمؤمن (بخيت ومجتمع أم درمان كله) بعقيدة عمادها دجال مخبول.. وبين حاجتها لمشاعر الحب التي يغمرها بها بخيت فيعزز أنوثتها التي أذلها وكسرها السبىّ “أعرف أنه ضعيف يا ثيودورا. أعرف أنه ليس حقيقيًا. هو وهم. لكنك عنده تجدين ما يبقيك حية. كلما أنهكك ظمأ هذه البلاد تعرفين أين تجدين ماءك”.. لتتفجر مشاعرها في النهاية عند محاولتها الهرب من أم درمان لتكتشف في جزع أنها لا تستطيع العيش دون عاشقها بخيت “أي حياة تلك التي تفر إليها؟ حياة ليس فيها بخيت منديل؟ ألن تر عينيه بحبهما الصاخب مرة أخرى؟ أين ستسكن إن لم يكن هناك؟ العبد الأسود بحبه المجنون وبراءة أحلامه. لا أريد. لا أريد”..
وعلى هامش هذه الرومانسية الحارقة، تنمو قصة رومانسية أخرى لا تقل عنها روعة، إذ يعصف حب بخيت بقلب مريسيلة، وهي واحدة من أجمل شخصيات الرواية، تفنن حمّور زيادة في بناءها.. فتاة عشرينية عاشت من صغرها خبرات قاسية (أبشعها التهام أمها لأخيها الصغير حيًا بسبب المجاعة!) دفعت بها للشارع حيث باعت جسدها وتحولت لقوادة..
تتعلق ببخيت، زميل خالها في السجن، وتأكل الغيرة قلبها وهي تراه مشغولاً بمعشوقته النصرانية الراحلة “ثيودورا”. أما بخيت منديل. بخيت يبدو لها أسطوريًا. خانع لمشاعر غبية إلى حد الذل. لكنه يبدو في توهج رجولته كلما بدا ذليلاً بحبه..
تسبه وتلعنه وتلعنها بينما أصابعها الماهرة تنقذ حياته بعد خروجه من السجن “لن تموت مني أيها العبد النجس. لا تقدر أن تقف. جراحك ينهشها الدود. من أجل ماذا؟ يالك من عبد حقير. سأعالجك لأقتلك بعدها. أنت بغل. اشرب أيها الغبي. مريسيلة لن تتركك تموت”. تلك الكلمات الحادة المنتقاة بعناية من خلال حوار الشخوص “شكرًا حمور زيادة على هذه اللغة الناضجة التي حُرِمنا منها في نصوص كثيرة”.
ويجسد الكاتب معاناتها مع عاطفتها المكبوتة التي تضطرم في قلبها بكلمات قليلة في مشهد عبقري: “في آخر مرة زارته قبل سقوط المدينة بتسعة عشر يومًا تمنت لو قدرت أن تلمس ساعده. كان يحكي عن حواء (ثيودورا). يجتر ذكرى يونس بألم. يبذل توعدات الثأر. وهي تسمعه مكابدة رغبتها الجارفة أن تمسه. نجحت في كبح نفسها بمعجزة”.
هذا العشق المُركب الذي يربط على قلب بخيت طيلة سنوات سجنه حتى يخرج لينتقم من قتلة معشوقته، ويربط على قلب مريسيلة لتساعد معشوقها في الثأر لمعشوقته وغريمتها في ذات الوقت.. يقابله على الطرف الآخر عشق من نوع آخر.. الحسن الجريفي يعشق الله.. الشاب المؤمن، المتصوف التقي، آمن بالمهدية وخرج في ركاب المهدي يجاهد ويغزو في سبيل الله.. قاتل “الكفرة” من التُرك والمصريين وولغ في الدم ليمهد الطريق لوصول دين الله إلى مصر ومكة والعالم كله، ليجد نفسه ذات يوم وقد لوثته الدماء وتحول من مظلوم إلى ظالم وقاتل.. يتزعزع إيمانه بقوة لهول ما فعل.
في النهاية، يتواجه الدرويشان.. العاشقان.. العشقان.. عشق بخيت لثيودورا، وعشق الحسن لله.. يبقى عِشق بخيت راسخًا هادرًا، بينما عكرت المهدية عشق الحسن.
أكد الناقد الدكتور عزوز علي إسماعيل، أن رواية “شوق الدرويش” للروائي السوداني حمور زيادة، محاولة لشرح القضية التاريخية بين الشرق والغرب، حيث تعرض في الرواية لفكرة قهر الحُكم التُركي للشعب السوداني، بكتابة حميمية مسرودة على لسان بطل الرواية “بخيت منديل” الذي حاول أن يثبت طوال السرد أن الشوق هو الذي يسكن القلب ثم يأتي بعد ذلك الحب.
وأضاف حجازي، أثناء مناقشة ورقته البحثية بعنوان “التراث والتخيل السردي عند حمور زيادة”، ضمن فعاليات الجلسات البحثية التي عقدت على هامش ملتقى الرواية العربية، بالمجلس الأعلى للثقافة في السابع عشر من شهر مارس 2015، أن الروائي حمور زيادة كتب روايته “شوق الدرويش” وعينه على التاريخ، وأسقط شخصية “ثيدور” حبيبة العبد بخيت منديل على حواء، مع اختلاف كون “ثيدور” مُبشرة مسيحية.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى