التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

أسيل

كتبت: حرية سليمان

الرجل الذي التهم قرص الشمس يعود من جديد.. كان كلما ولج الزقاق بخطواته المتسعة هرولت خلفه، ممسكًا بخيط طائرتي الورقية، متحفزًا لموسم من التحليق. كانت أمي تعنفني؛ لحاجة بكر لمن يمسك دلو الطلاء. وسندس اقترب زفافها، واختارت لونًا غريبًا لحجرة نومها. تركت الدلو بمحتواه الجيري، أسرعت لأجده لم يبدل سترته الكاكية ذات الأزرار النحاسية، لكن بقدميه حذاءً جلديًّا برقبة عالية.

لم تكن الآلة الوترية الضخمة تعانق صدره كالمعتاد، وإنما كانت أخرى غريبة المظهر، ينتهي طرفها المدبب إلى شفتيه، وتصدر صوتًا رخيمًا كلما تمددت أوداجه. كان من يبتكر تلك الآلات يلملم أشياءها ويلصقها بنوع خاص من الغراء، يمدد خيوطها، ينحت الأزرار والمفاتيح، يجيد ذلك كله كما يجيد صنع الطائرات الورقية.

صنع لهم طائرات جميلة، وكانوا لا يتبعونه بمثل فضولي.. أما طائرتي فكانت أكبرهن وأكثرهن تداخلاً بالألوان والصخب، كانت وحشًا أسطوريًّا أروضه بعصا تنتهي ببكرة خيط ضخمة. كنت أنتظر التهامه القرص الناري لنبدأ التحليق، ما كان عليه إلا أن يمد يده للسماء، وأن يمسكه بطرفي سبابته وإبهامه، وأن يفتح فاه ويلقيه مسرعًا، فينزلق باتجاه حنجرته التي اصطبغت ببرتقاليته، واعتادت مذاق العصير الحار المتعطش لبطانة جوفه الناعمة، بينما يغمز لي بنصف عين، مشيرًا بإصبع مشهرة أن التي تدغدغ معدته ليست التي تلوِّح لهم يوميًّا؛ فتلهب جلودهم، وتسلمهم لأنهار من العرق بلا لذة، وتجلدهم بسياط من سعير. هذا الرجل مازال يجادلني بلا صوت، حين يلمح ارتيابي وشكِّي، في أن جسده الفارع المتسع الصدر المكتسب سمرة مدهشة كان ناتجًا طبيعيًّا لشذراتها الساخنة، فهو لا يشبه أجسادهم اللينة، وأنه يملك ما لا يملكون من مفاتيح سعادة، وأنه وحده قادرٌ على السير في الهواء والأرجحة فيما بين نوافذهم وأبوابهم وأعمدة شرفاتهم، متسللاً بسلاسة ضوء قمري بكر لم يمسسه سوء.

الرجل الذي اعتاد المرور بينهم بحيث لا يرونه، كان يمر -فقط- ليبتسم، وليُقرئَهم السلام، وليضحك منهم وفيهم. هذا الذي جاء من هنا كالنسيم الرطب بليل سبتمبر، فجفف عرق جباههم، وترك سيلاً من بركات وبقايا رائحة من مسك، هو نفسه الذي فاجأهم -كإعصار- غاضبًا مستنكرًا، حين لوَّحوا مرة غير مكترثين.. فلا هو ذاق طعامهم، ولا مسته مياه حواريهم الضيقة حين تقتاتها أشعتها النهمة، فيتمددون بالظل عراةً حفاةً بانتظار منحة ربانية ومرور ملائكي النفحات.

لكنه عندما تكلم عن “أسيل”، أجاز العبور إليها بلا جواز سفر ولا تأشيرة ولا لائحات دولية.. كان يقول إنها كلما مشَّطت شعرها تسلل سربٌ من أقمار. وكانوا يتهللون فاغري الأفواه متسعي الأعين كلما سمعوا عنها، فما بين أقصوصته الجميلة وما يتساقط عليهم من أقمارها الليلية كان السفر إلى المستحيل. «أسيل» ليست كنسائهم؛ لأنها تملك من المرمر ما يصنع ألف منحوتة لـ “إيزيس”. لا تتعرق، فما يسكنها من مسك لو تفرق على بنات الإنس لتراقص ميزان الكون بهجةً وحبورًا. لا تتحدث بحروف كالتي يتواصلون بها ويسمونها كلامًا، إنما بألحان عذبة تُغازل النجمات في السحر، فيستحِلْنَ أقمارًا وفراديس. لم يكُن ريقًا ذاك الذي يجري بفمها، وإنما كان ماءً زلالاً وترياقَ أوجاعٍ. كانت رائحتها قادرة على تشكيله وعنونة أحلامه وملء فراغ ضلوعه بما لا يحتويه صدر بشر. تسأله: هل للأحلام مواسم وعناوين؟ فيجيبها: أنت.

كان فراشها الغيم، وكانت كلما نام تسللت لترشقه بقبلة شهية، لتختفي بعدها، فيأتيه صدى ضحكتها، تلك التي تبدد ليله السرمديَّ. وكم خُيل إليه بيقظته أنها تجاوره بجسدها الدافئ اللين؛ فتدفئه أنفاسُها، وتذيبه همساتُها، ويلفه شعرُها الأسودُ، فتمطره الورد واللؤلؤ والرحمات.

“أسيل”.. حين تقترب، تفض عذرية سكونه؛ فينتفض كمارد أفلت من قمقم سكن غيابة جُب، يكشف رداءَها من قُبل، فيلمح منها ما لا عين رأت، ويسمع منها ما لا أُذن سمعت ولا خطر على قلب ولي. وأنها كانت تسر له -وهو متكئ على فخذها- بأنها منحته الأبدية، وأنها بين شفتيه سيل من كلمات محلاة بالعسل والياسمين والقرنفلات.

لم تجاورنا غير ظلالنا، وكنت أتمدد إلى جواره مسندًا رأسي لظهره مداعبًا خيط طائرتي متأملاً تحليقها بالبعيد. كان يضبط إيقاع الآلة هامسًا بأذني بأنها كانت تدق الأرض بكعبيها المخضبين بالحناء، فيفيض النور. قلت له مبتسمًا بمكر: إنني رأيتها بأم عينيَّ هاتين تحمِّم الجواد الأسود بترعتنا الكبيرة. وإنني لم أميز وقتها غير الخط الفاصل بين شعرها الفاحم وذيل الجواد الأكثر حلكة، فقد تشابكا، وكانا يطفوان على السطح، ويتماوجان معًا، وإنني لم ألمح بدقة غير لون فضي آسر لردائها الشفاف الذي التصق بجسدها. وقتها لم أكن لأظنه إلا حلمًا رتَّلته لي الجدة قبيل نومي كعادة يومية حين ألتصق بحضنها الرحيم. لم يقطع الشك غير صهيل الجواد وارتعاش الجسد الندي مستضيئًا بالقمر. كذبني بوجه عبوس قائلاً: إنها لا تظهر أبدًا لغيره ولم تحمم إلاه. أجبته بأن الحوريات يظهرن فجرًا لمن يريد، فنفى بنظرة غاضبة، فما من إنسيٍّ يعرف قدرها ليستحقها، وجمت. بعدها لم نلُك غير الصمت. كان الوقت يمر ثقيلاً. وخزني باطن قدمي العارية، فركته. لم يمنحني اكتراثًا، وحين تهاوت الطائرة وتهتَّكت ألوانها، أرسل بوجهه للمدى، وغادر متجهمًا. غريب أن تغير الريح مسارها فقط لعبوسه، وأفقد بعدها متعة التحليق.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق