التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

جزاء الخيانة

كتبت: لمياء السعيد

“سوف أطلب الطلاق”

التفتَ يوسف لمصدر الصوت؛ إنَها زوجته شيماء.

نظر إليها، وقال لها:

_ أنتِ غاضبة وترتدين فستان سهرة؛  إذًا لقد نسيتُ موعدًا، أليسَ كذلك؟

_ نعم كالعادة.

اقتربَ منها وقال:

أنا أسفٌ جدًا يا حبيبتي، أرجوكِ تقبّلي اعتذاري.

نظرَتْ إليه وقالت:

_ إذًا قُل لي ما هي المناسبة التي فوتّها إن كان اعتذارك صادقًا.

ارتبك يوسف ونظرَ إلى النتيجة التي أخفتها بيديها، وقالت هي:

_ قل لي..

قال هو:

_ عيد ميلادُكِ أليس كذلك؟

_ لا.

_ أرجوكِ، اعذريني.. لنخرج الآن، سوف أعوّض عليكِ. هيا بنا..

_ إنها الواحدة ليلًا، إلى أين تريد أن نذهب؟!

نظر يوسف في ساعته وارتبك فلم يجد ما يقوله أمام غضب شيماء.

أوشكَ أن يتكلّم فقاطعته قائلة:

_ منذ ثلاث سنوات وفي نفس اليوم، أدخلتُ نفسي في سجن الزواج معك، واليوم قراري نهائيّ.. أريد الطلاق. أنت لا تريد سوى أبحاثك، تعيش بينها لا تشعر بوجودي أصلًا، لماذا تستمر حياتنا إذًا؟!

_ حبيبتي، صبرًا لقد أوشكتُ على الانتهاء من اكتشافٍ عِلميّ سَيُبهر العالم..

قاطعته قائلة:

_ منذ أن تزوجتك وأنت تقول ذلك وأقدّم لك الأعذار، ولا أعلم ما هو حتى اكتشافك العظيم.

_ لقد أوشكتُ أن أكتشف تركيبة تجعل الإنسان غير مرئي.

اشتد غضب شيماء وقالت له:

_ سأقول لك أنا كيف ذلك.. أن تكون مثلي، فأنت لا تراني وأنا أعيش معك في نفس المنزل منذ سنوات. أنا أمامك مثال حي لماذا تبحث إذًا؟!

اقترب يوسف ليمسك يدها ويهدئها، ولكنها ثارت غضبًا وحطّمَتْ كل أنابيب الاختبار التي أمامه وكسَّرت بعض الأنابيب من على الأرفف وتركته غاضبة وخرجَتْ قائلة:

_ أنا عند أمي، أنتظر ورقة الطلاق.

عرفَ يوسف أنّ ثورة زوجته لن تهدأ باعتذارٍ صادق منه مثل كل مرة ، فجلسَ ينظر لمعمله الذي دُمِر، وعمله الذي عكفَ عليه، كيف حطّمته شيماء في لحظات. أحضر يوسف المقشة والجاروف لكي يقوم بتنظيف الفوضى التي ملأت المكان.

كنسَ وألقى كل شيء في القمامة وشعرَ أنه لا يريد العمل، خلعَ معطف المعمل وخرج إلى المنزل. وصل َهناك وجد شيماء قد غادرت إلى بيت أبيها. نام ليلته وهو حزينٌ ويفكر ماذا يفعل، سنوات من العمل ومازال كما هو، كلّما أحسّ أنه اقترب من تحقيق هدفه يهرب منه ويظل يلاحقه.

استيقظَ في موعده،  ارتدى ثيابه وخرج إلى معمله ثانيًا  فهو يعيش به تقريبًا. فتح باب المعمل.. يا للهول!  ماذا حدث؟!  لقد اختفى المعمل كاملًا لم يبقْ شيء، ماذا حدث؟!

وقفَ متسائلًا:

هل جاءت شيماء وقضَتْ على ما تبقى؟ راح يلفّ داخل المعمل، ارتطم جسده بشدّة وكأنّ هناك شيء،  التفتَ لم يجد شيئًا. “ما هذا؟” فكَّر سريعًا تحسس خطواته أيقن يوسف أن كل شيء بمكانه ولكنه لا يراه قال مستحيل كيف ذلك؟ أنا أحفظ معملي كل شيء بمكانه ولكن غير مرئي معقول نجحت تجربتي؟ ولكن كيف ذلك؟ تذكَّر ما حدثَ بالأمس أيقن أن شيماء رمت شيء اختلط بتجربته جعلت المستحيل ممكنًا، ولكن كيف يُرجِع كل شيء لطبيعته؟ ذهب باتجاه سلة القمامة، وقام بالبحث فيها فجُرِحَت يده، فكّر ثانيًا وقرّر أن يغطيها وفعلًا غطّاها وبدأ المعمل في الظهور شيئًا فشيء. أيقنَ يوسف أنّ البخار المتصاعِد من السلة هو سر اختفاء المعمل. جلسَ طوال اليوم يخلط الأشياء ويجرِّب كلّ شيء، ولكن عجزَ عن الوصول لحل. احتلّ جسده الإرهاق قرّر أن يذهب للبيت ثم وجدَ أنّه ليس هناك داع لذلك،  فنام بالمعمل.

استيقظ بعد عدة ساعات هاتفًا: (وجدّتُها..) كان قد أحضر لشيماء زجاجة عطر صباحًا من أجل عيد زواجهم قبل أن ينساه وقد كسرتّها وهي غاضبة، لذلك تتفاعل المواد عن طريق الرائحة وتنتشر بالجو.

انتظرَ أن يأتي الصباح بفارغ الصبر وما إن تمَّت الساعة العاشرة حتى كان واقفًا أمام المحل ينتظر أن تُفتَح أبوابه، و ما إن فُتحَ المحل حتى دخلَ مُسرعًا، أحضر خمس زجاجات من العطر ورجعَ إلى معمله وأغلق الباب. بدأ يجرِّب ويخلط المواد بالعطر وينتظر ويترقّب وفي إحدى المرّات نجحَ الأمر لم يكن يصدّق نفسه، رقصَ فرحًا وبكى فرحًا، لقد تُوِّجَ عمله أخيرًا بالنجاح. خرجَ مسرعًا يريد أن يذهب لأستاذه، ويريد أن يذهب لزوجته يشكرها ويقبِّل يديها، فقد كان غضبها هو سر نجاحه ولكنّه أثِر أن يذهب إلى الجامعة أولًا. دخلَ مسرعًا لأستاذه (دكتور خليل) قائلًا:

_ لقد نجحتُ يافندم.. وشرحَ له ما حدث وعرضَ جزء من التجربة أمامه. ذُهِلَ الرجل.. هل من الممكن ذلك فعلًا؟!

ثم قال له:

_ يا بني، لقد رأيتُ الكثير من النجاح والإخفاق بحياتي، أنصحك أولًا أن تعرف كم يدوم الاختفاء، ثم تعرف هل هذا الغاز يقتل فقد يكون سامًا؟ وهذا اختراع مُذهِل ولكنّه خطر إن وقع في الأيدِ الخاطئة. أريدك أن تتروى بعض الشيء وتزيد من التجارب لتستخلص الأجوبة لتلك الأسئلة.

خرج يوسف وقد قلَّت فرحته، ولكنه لايزال فرحًا بما وصلَ إليه. ذهبَ لزوجته وحملَ معه الورود، وحاول تهدئتها وعرضَ عليها تجربته وذُهِلَتْ للنتيجة، وقالت له لي الحقوق الفكرية لهذا الاختراع، لو أعلم ذلك لكسَّرتُ لك معملك منذ سنوات. ضحكَ الاثنان، وسألها:

_ سترجعين معي؟

_ بشرط، ستعوضني عمّا حدث أمس.

_ كل ما تطلبينه أوامر.

خرجا سويًا، وثاني يوم ذهب لمعمله ليُكمِّل تجاربه ويستخلص النتائج التي طلبها منه دكتور خليل.

وبعد عِدة تجارب وصل إلى تحليلين؛ الأول: أن الغاز غير سام. الثاني: أن ذلك الغاز يستمر مفعوله ثلاثة أيام إن استمر بالسريان بالمكان.

فرحَ يوسف فرحًا عظيمًا وحلُمَ بنفسه وهو يتسلّم جائزة نوبل. كتبَ كل ما توصّل له وقرّر مناقشته في مؤتمرٍ عام، ولكن خطرت له فكرة، لماذا لا يحقن أحد فئران التجارب بتلك المادة ويرى ما مفعولها على الفأر، قد يختفي أيضًا دون الحاجة لاختفاء كل ما يحيط به لأن الغاز يُخفي كل ما يسيطِر عليه.

وفعلًا حقنَ يوسف الفأر، ولكن لم يختفْ، حقنَهُ عدة مرات ولم يحدث شيء،  ظلّ يوسف يحقن الفأر ثلاثة أيام بلا جدوى.

أعاد التجارب وغيَّر بعض الأشياء وأضاف أخرى، ولكن بلا جدوى حزنَ يوسف لذلك، فالتركيبة تعمل عن طريق الدخّان وليس الحقن. استسلم أخيرًا لعدم إكمال التجربة وأغلق النور وخرج،  ثم واتته فكرة فرجعَ سريعًا إلى المعمل ليجرّبها، فقد قرر أن يعطي العقار للفأر عن طريق الشرب لعلّه ينجح وفعلًا حضّر العقار ونظرَ للفأر فوجده قد مات.

قال يوسف لنفسه وأسفاه من أين أحضِر فأر الآن؟ مازالت الساعة الواحدة، كيف سينتظر للصباح. فكّر كثيرًا وأخذَ قرارًا خطيرًا،  فقد قرّر أن يشرب هو التركيبة فهي غير قاتلة ولن تضرٌّه، وبالفعل شربَ العقار فأحسّ بحرقان في كل أجزاء جسده لمدة خمس دقائق، ثم نظر للمرآة ولم يختف. انتظرَ بضع دقائق ثم بدأ في الاختفاء، فرحَ يوسف جدًا وقفزَ فرحًا أخيرًا. أصبح أول إنسان غير مرئي، وشعرَ أنه عبد المنعم إبراهيم في (سر طاقية الإخفاء).

أخذَ يقفز هنا وهناك فرحًا كأنه طفلٌ حصل على لعبته المفضلة بعد طول انتظار، وطرأت على رأسه فكرة فقد أراد أن يداعب زوجته ويدخل المنزل دون أن تشعر به ويعبث معها قليلًا، راقت له الفكرة وبالفعل أدار المفتاح في خفة ودخل المنزل وأغلق الباب في هدوءٍ شديدٍ،  وجدها تتكلم في الهاتف وهي تنظر للمرآة وتلاعب خصلات شعرها المنسدل على كتفها، ثم ضحكت ضحكة زلزلت بها أركان غرفتها وكيانه معها، انتابه الفضول؛ لمن تضحك شيماء هذه الضحكة؟! معقول أمها؟! لايتذكّر أن رآها تضحك كذلك منذ سنوات ظلّ صامتًا حابسًا أنفاسه، يراقبها ويستمع لكلماتها حتى الآن هي تضحك وتومئ برأسها فقط دون كلام وأخيرًا تكلّمَت، قالت “أحبك”..

زلزلت الكلمة كيانه، لمن تقولها غيره؟! هوَت قدماه، لم تعد تتحمله، كان يعتقد أنها مِلكٌ له وحده، نعم هو مشغولٌ دائمًا ويهجرها بالأيام والليالي الطويلة ولكنه لم يفكر يومًا أنها تفكِّر في غيره. لم يستطع التنفس، أمسَ بالحائط،  ماذا يفعل؟ أيثور في وجهها ويقول لها يا خائنة؟ وكيف ذلك وهو حتى غير مرئي؟! فكّر قليلًا وقال إن انفجرتُ بها غضبًا الآن لن أعرف مع من تخونني يجب أن أنتظر لأمسكها بالجُرم وأعرف من هو.

كانت قد أنهت حديثها بأن طبعت قُبلة على الهاتف للمتصِل، ووعدته باللّقاء غدًا في الخامسة.

لم يعد يريد البقاء، فرَّ سريعًا من المنزل ومشى بالشوارع ساعات، أحيانًا يصطدم بالناس فيفزعون، كيف يرتطم بهم الهواء؟ فيفيق من حزنه ثم يحاول الانتباه ويكمّل سيره.

عاد لمعمله وكان قد ترك هاتفه به فوجدها اتصلت عليه عدة مرات، رمى الهاتف بالأرض وصرخَ “خائنـــــــة”..

ألقى بجسده المنهك على الكرسيّ وقد بلل البكاء وجهه وراحَ في نومٍ عميق، لم يفق إلا على كابوس، فقد رأها في حُلمه كأنها مع أحدهم بسريره، انتفضَ من نومه فوجدَ أنّه كابوسٌ ولكنّه مستمر فهذا أصبح واقعه الآن. رن الهاتف، التقطه وجدها المتصلة استجمع قواه وردَّ عليها كان بداخله صوتًا يمزّقه إربًا ويقول لها “خائنة” ولكنّه سيطرَ على نفسه، وقال لها “آسف يا شيماء اضطررتُ للسفر إلى أسوان، لن أّتي قبل ثلاثة أيام”..

نهرته كيف يسافر دون علمها لم يرُدّ عليها، وعندما أنهت حديثها قال عندما أعود سأشرح لك سلام

صرخَ بالعامل (عم محمد)، ردَّ الرجل عليه جاي يا دكتور.

دخلَ عم محمد من الباب نظرَ حوله لم يجد أحد قال:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بايني بحلم ولا إيه؟!

تذكَّر يوسف أنه غير مرئي، فقد أنسته صدمته اختراعه وفرحته به.

خرجَ عم محمد وجلسَ يوسف ممسكًا برأسه بين يديه وينظر لساعته بين الحين والآخر،  ينتظر أن يمرّ الوقت وما إن دقت الساعة الثالثة حتى انطلق إلى بيته وجلسَ تحته ينتظرها.

خرجَتْ عند الرابعة في قمة أناقتها ومشَتْ حتى دخلَتْ إلى نادي على النيل، دخلَ خلفها وقابلَتْ عشيقها..

غير معقول.. مستحيل.. إنّه طبيبها الخاص، إنّها تعرفه منذ سنوات، ويلي.. تخونني منذ سنوات وأنا مجرّد أبلهٌ يسكن معمله!!

ظلّ يراقبهم والنار تشتعل بداخله والغيظ يكاد أن يفتك به، وقفَ متكئًا على طاولتهم، سمعَ كل حوارهما، رأه وهو يحضن يدها وهي تطلق الضحكات، سكبَ عليه الشاي الساخن، فهبَّ الرجل واقفًا في ذهولٍ، فهو لا يرى أحدًا بالمكان.

توتّرَ يوسف خوفًا من أن تكتشف شيماء سِرّهُ، وأخذَ يفكر:

“ماذا أفعل الآن؟ حتى أنا لا أعلم متى سيزول الدواء من جسدي”

مشيا سويًا وركبا السيارة فركبَ معهم في الخلف.

أوصلها إلى بيتها وقال لها: على موعدٍ آخر.

_ سأتي إليك في المنزل الليلة، انتظرني.

ظلّ معه، عرفَ أين يسكن فقد رجع لمنزله لتغيّير ملابسه، همَّ أن يضربه..

رنّ هاتفه، إنها هي سمعها تقول له أنها لا تعرف للحياة طعمًا إلا معه وأنّها تموت إن ابتعد عنها. لم يتحمَّل يوسف أن يسمع المزيد، همّ بالخروج من منزله ليذهب لها.. سيقتل تلك الخائنة.

ما إن وصلَ إلى الباب حتى سمعَ هاتفًا في رأسه “إنّ قتلُها راحةُ لها، ومن الممكن أن تُلصَق التهمة به، لا يوجد لديه عُذر للغياب”..

فرجعَ إلى غرفة الطبيب ثانيًا فوجده مزهوًا بكلامها يتأنق وينثر العطر على سريره في انتظار اللقاء ويحكي لها عن شوقه لها وأنّ رائحتها مازالت تملأ وسادته حتى الآن.

نظرَ يوسف حوله وجدَ زهرية كبيرة حجرية أمسك بها بمنديلٍ، وما إن أغلق الطبيب الهاتف حتى ضربه بها على رأسه ثلاث ضربات مميتة أودَت بحياته، وتركه صريعًا وسط بركة من الدماء أغرقت المكان وأطفأت نارًا في صدر يوسف،  تنفّسَ براحة كبيرة وقال “الآن أيتها الخائنة ستدفعين ثمن خطأك”.

جرى يوسف إلى معمله، رمى بجسده على الكرسي، أحسَّ براحة تسكنه، نام بضع ساعات وأفاق َمن النوم على صوت (عم محمد)  مناديًا إياه: دكتور يوسف تليفونك يا بيه، بيرن بقاله ساعة.

مسحَ يوسف وجهه وتنبّه أن العلاج أثره قد زال، نظرَ في ساعته وجدها العاشرة مساءً. قال في نفسه “إذًا مفعول الدواء يمتدّ حوالي ثلاثة وخمسون ساعة، إن اعتبرت أنّه قد زال منذ أن أتيت في الثامنة مثلًا”.

قاطعه صوت عم محمد: التليفون يا بيه.

فقد تعوّد عم محمد على طبع يوسف وأنه دائم السرحان ويجب تنبيهه دائمًا. نظرَ إليه يوسف كأنه يخرج من هوة عظيمة، التقط الهاتف فقد كان الرقم غريب ولكنه رنَّ كثيرًا، انتظر يوسف ليسمع صوت الطرف الآخر فوجدها شيماء تبكي بهستيريا وهي تقول:

_ يوسف، النجدة..

_ ماذا بكِ يا شيماء؟

_ مقبوض عَلَيَّ بتهمة قتل.

ارتسمَتْ على وجه يوسف ابتسامة وقال:

_ قتل؟! أتمزحين؟!

_ وهل هذا صوتٌ يمزح؟! أرجوك يا يوسف ارجع سريعًا، أنا بالقسم ولا أعرف ماذا أفعل، أهلي لا يجيبون على الهاتف، اتصل بهم، أنا في قسم شرطة المعادي.

_ أصدمتِ احدًا بالسيارة؟ أم  قتلتِ من؟

_ يتهمونني بقتل الطبيب ياسر.

سمع يوسف صوتًا غليظًا يقول لها “كفاية كدة”.

قالت:

_ انجدني يا يوسف إرسل لي أمي أو محامي..

وانقطع الخط. ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة قائلًا “وهو المطلوب إثباته”..

تنبَّه لعم محمد يقف على الباب فتصنَّع الحزن وقال: هيا يا محمد تعال معي، إنها مصيبة.

ردَّ عليه: استر يارب.

وصلا للقسم.. خرجَ مهرولًا حتى التقاها، كانت مرتعبة وترتعش.

قالت له:

_ أنت هٌنا؟ ألست بأسوان؟

_ وصلتُ منذ عدة ساعات، وكنت نائمًا بالمعمل حتى أيقظني تليفونك.

وردَّ محمد وصدَّق على كلامه.

سمعَ منها:

_ ذهبتُ لياسر بالبيت لأسأل على..

وصمتت، نظرَ إليها، فكّرَت ماذا تقول له الآن.

استطردَتْ قائلة:

لقد نفذَ علاجي وحادثتُهُ فطلب منّي أن أذهب إليه في منزله لأنّه مريض وسيكتب لي روشتة أخرى، أنت تعلم أنَّ علاجي لا يُصرَف إلا بروشته، أنت تعلم ذلك أليس كذلك؟ أرجوك صدقني، أنت تصدقني صحيح يا يوسف؟

أمسك بيدها وقال:

_ طبعًا يا حبيبتي هدّئي من روعك، أنتِ تنتفضين.

جاء والدها وأمها يجريان، احتضناها بقوة وأخذوا يبكون جميعًا، ويوسف يرسم على وجهه الحزن، ولكن قلبه تتملكه الشماتة، فقد حرمها من حبيبها وألبسها جريمة القتل، يكاد قلبه أن يرقص فرحًا، فقد انتقم لكرامته، فإن كان قتلها ستكون قد ماتت مرة ولكن الآن ستموت ألف مرة.

أدخلها العسكري لوكيل النيابة وتم سماع أقوالها وأقوال الشهود على الواقعة، وتم حبسها فترة احتياطية على ذمة التحقيق، ثم  تحدّد موعد المحاكمة.

وجاء يوم المحاكمة..

تم استجواب يوسف لكنه وبشهادة عم محمد كان بالمعمل الذي لا يفارقه إلا نادرًا.

وتمَّ استدعاء حارس العمارة التي يسكنها الطبيب.

سأله القاضي إن كان أحد قد دخل العمارة قبل شيماء أو بعدها، فأكدَّ أنَّ الطبيب دخلَ ولم يدخل أحد بعده إلا هي، ولم يخرج أحد من العمارة، وأنّه ظلَّ رابضًا لم يذهب إلى أي مكان، وقال أنّها اعتادت في الآونّة الأخيرة زيارة الطبيب في بيته وتبقى معه ساعات طويلة، وختمَ الرجل قوله “كان بينهم حاجة استغفر الله العظيم”..

فسأله القاضي:

_ كيف كان شكل الطبيب عندما رجعَ؟

_ كانت ملابسه ملطّخة بالشاي.

فسأل القاضي شيماء:

_ أين كنتِ معه؟

_ كنتُ معه بكازينو على النيل وسكبَ الشاي على ملابسه، وبعدما انصرفنا وصّلني إلى بيتي، وذهبَ لبيته، لم أقتله.. وأجهشَتْ بالبكاء.

ردَّ ممثل النيابة “إذًا لقد  قد حدثَ خلاف بينهما بالمحل وسكبَت عليه الشاي وذهبّتْ، وعندما عادت للمنزل حادثته عبر الهاتف،   فرقمها هو الأخير على هاتفه،  وأكملوا خلافهم الغرامي،  ولكن لم ينته الأمر عند هذا الحدّ، فذهبت إليه واحتدَّ بينهم الخلاف فقتلته..

صرخَتْ شيماء مزلزلة جدران المحكمة:

_ خطـــــــــأ، لم أقتله، لم نختلف وانهارت مغشيًا عليها.

أحسَّ يوسف أن ممثل النيابة يقرأ خطته التي رسمها لها لتنال عقابها.

تم تأجيل الجلسة مرة تلو الأخرى وشيماء تزوى كوردة  قُطفت منذ أيام، وتذبل وتجف كأنها شجرة سكنَ الخريف قلبها فتساقطت أوراقها، ورقة تلو الأخرى وهو يراها ويشعر أن عذابها يروي غروره وموتها يُحي كرامته، فقد أحبّها حٌبًا جمًا، نعم انشغل عنها كثيرًا ولكنها لم تتذمر إلا في الفترة الأخيرة، طلبَتْ الطلاق وكانت كلماتها تشعره بالذنب نحوها فيجسوا تحت قدميها متوسلًا ألا تتركه. والآن يعرف أنها لم تكن تعِبة من فراقه كما كانت تقول ولكنّها كانت تريد التخلص منه لتذهب لآخر.

يذكُر أنها كانت طالبة عنده بالقسم، لم يكن ينتبه لها أو لغيرها،  فقد كان مُعيد يحلُم بإكمال رسالة (الدكتوراه)، وأن يصبح أستاذًا بالجامعة، سعَتْ وراءه لاهثة بكل ما أوتيَتْ من قوة. أصبحَتْ تخلق الأسباب لتكلّمه حتى مال قلبه إليها، كانت تعرف أنه يعشق عمله ورضَتْ بذلك، بل سعَتْ إليه، ساعدها منذ كانت بالسنة الأولى حتى تخرّجَت كان يبديها عن دراسته ورسالته حتى كبرَ حبهم بمرور السنوات، حتى أوشكَتْ على التخرج، لم يستطع أن يتخيل مرور يوم دون رؤيتها فقال لها:

لا أصدِّق فراقك. فبكَتْ، وقالت له: لا أستطيع العيش بدونك.

تذكَّر كيف ذهب لطلب يدها من أبيها، في ذلك اليوم لم يتحمل أن تسقط دموعها من أجله، لم ينتظر أن يصل خطابه لأهله، فسبقهم إلى بيت أبيها وفاتحه في الموضوع حتى يأتي أهله ويتم الخطبة. فعلَ كل ما طلبه أبوها منه، حتى أنّه صمم أن يبيع أبيه قطعة من أرضه ليشتري لها منزلا أينما أرادت،  وهو يعلم أن بيع أرض أبيه بمثابة اقتطاع جزء من قلبه،  فهي إرث أجداده. أخرجه من شروده وذكرياته صوت حاجب المحكمة.. محكـــــمة..

دخلَ القاضي وتعلّقت به العيون كأنها تحجّرت.

“حكمت المحكمة بإحالة إوراق المتهمة لفضيلة مفتي الديار المصرية”

نطقها القاضي..

حدثَ هرج ومرج وتعالت أصوات الصراخ والعويل من أخواتها وسقطَتْ أمها مغشيًا عليها، ووقفَتْ شيماء في قفصها كأنها في عالمٍ آخر متعلقة بين السماء والأرض.

اقترب يوسف منها وقال لها بكل أسى:

لم أستطع يومًا تحمٌّل دموع عينيك، وأنتِ اليوم أبكيتِ قلبي دمًا.

نظرّتْ إليه كأنّها هوَت في بئرٍ عميق،  وقالت له:

آسفة، حقًا آسفة، أنت لا تستحق أن أخونك، ومع كل ما سمعت ظللت بجواري..

قاطعها يوسف “لا تزيدي كلماتٍ أخرى”.

خرجَ يوسف من باب المحكمة يعتصر قلبه الألم، ماذا يفعل الآن؟ نعم لقد ثأر لكرامته، ولكن ألم يكن من الأفضل أن يطلّقها أو يضربها، فهي هكذا ستدفع حياتها!

الآن هل هدأتْ ثورته؟ لا يعلم.

ذهبَ للمنزل، أخرج ملابسها من دولابها وجلسَ يبكي ويشتم رائحتها بين ثناياها، ثم وجدَ أقراص برشام، مسحَ دموعه وقرأ ما المكتوب عليه، إنها أقراص لمنع الحمل، ما هذا؟ أكانت تتناول هذه الأقراص لكي لا تنجب منّي؟! هاج كالثور.. تلك الساقطة لم ترد أن تهبني طفلًا، وأنا من توسّل لها أن تتابع مع طبيب لكي يحقق لأبيه حُلم حياته، ولم يرد أن يقول لها أنه قد أجرى فحصًا وتأكد أنه يستطيع الإنجاب، لم يكن يريد جرح مشاعرها أو أن يُشعرها أن بها عيب.

إذًا لم تكن تحبني ولا يوم واحد، كانت تريد أن تحقق بي أحلامها فقط، جعلت حياتي أرضًا بورًا، ولم ـعارض حبًا فيها.. فلتذهب إلى الجحيم، ولو كان بيدي لفعلت أكثر من ذلك.

امتنع عن الخروج من المنزل والردّ على الهاتف، ولم يعد يحضر جلسات النقض، وجدَ  تحت الباب عشرات الخطابات منها أرسلتها مع أبيها، كل يوم يذهب ليدق الباب ولا يجيب، يترك الجواب تحت الباب ويمضي، ويقول له: أعلم أنك بالداخل، أرجوك ياولدي، اقرأ فقط، ولكنّه لا يجيب أبدًا، فقد شعرَ أنه لم يعد لديه قلبًا ينبض ولا عيون ترى.

وفي أحد الأيام جاء أبيها ولكنّه كان باكيًا، قال له:

لقد تم تأكيد الحُكم، ستعدم شيماء يا يوسف وأمنيتها الوحيدة أن تراك، آخر موعد للزيارة غدًا، استخرجتُ لك الأوراق، ها هي تحت الباب يا ولدي، لن أتي لك ثانيًا، فلم يعد هناك داعي لمجيئي، لقد انطفأ نور عيني الذي عاش ببيتك وانهار الرجل باكيًا ورحلَ.

فتحَ يوسف الخطاب، أخرجَ يوسف الورقة، قرأها.. عرِفَ أنّه تصريح زيارة أخير قبل التنفيذ. ثاني يوم حلقَ يوسف ذقنه وأخذ يستحمّ، وارتدى ملابسه وذهب إليها بالموعد. احتضنته بقوة، كانت مثل الشبح، إنسان قد هجرته الروح، بكت حتى شعرَ أن عينيها لم يعد بها ماء يخرج. ظلّ صامتًا وهي تتكلم وتتأسف، أخرج من جيبه زجاجة صغيرة، قال لها:

_ أتعلمين ما هذا يا شيماء؟

_ لا .

_ إنّه مصلُ الاختفاء، أتذكرينه؟

نظرَتْ إليه كأنها تتذكر شيئًا من زمنٍ سحيق.

_ نعم هذا اختراعك، هذا ثمرة نجاحك.

_ من الممكن أن تدّعي المرض وتذهبي للمشفى وتشربينه، ستختفي وأهرّبك من هنا ما رأيك؟

نظرَتْ إليه كأنّه ألقى لها طوق نجاة. ارتمَتْ في حضنه..

_ موافقة، فأنا خائفة جدًا من الموت، هل هذا سيجدي نفعًا؟

ردّ هامسًا في أذنيها:

_ نعم فقد نجحَ مرة، عندما قتلتُ عشيقكِ يا خائنة، أمسك برأسها بقوة قائلًأ: ستدفعين الآن ثمن خيانتكِ لي،  وتركها فهوَت على الأرض فضربها بقدمه وخرجَ.

سمعَ صراخها تنادي عليه: عُد، يجب أن يعرف الجميع أنك القاتل بينما العساكر يقودنها إلى حبل المشنقة،  وهو يبتسم.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق