التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

سالومي

كتب: محمد صلاح راجح 

“أنا يوسف، بلا برهان.. وبلا رب. أنا موسى، بلا عصا.. وبلا بحر. أنا يوحنا، رقصت لأجلي سالومي.. بلا أثواب سبعة”..

 

حين رأيتكِ سالومي..

أتذكر تلك اللحظة جيدًا، حين تلمست قدماك الأسفلت، كنتُ أعلى الدرج، وحين خطوت خطواتك الأولى نحوي؛ بسطتُ لك قلبي أسفلك ليعرج بكِ إليّ. آآآه من تلك اللحظة، حينها تلقيتُ الوحي، وكأني أتشرب وجودك، أمر سرمدي، بعثني نبينا رسولاً إلى خلاياي بدعوة عشقٍ. وما من عصب، أو خلية، أو حاسة؛ إلا وقد آمنت بعشقي المحتوم، ظللت في محرابك أرتل كلمات، وما هي بكلمات.. فعجلت لساني بها، أجمعها بطيات كياني، كي أكون لكِ وحدك، أبد الدهر.

هل تكفي أربع سنوات لتعشقيني! تفتتْ فيها روحي عشقا؛ حتى فزت بقلبك، لم يهمني ما حال بيني وبينك، لم يهمني الآخر، أو أطفالك، أو أحلامك، أو من يحيطون بكِ، أو تفاصيل عالمك المحرَّم عليّ، الآن آتيتِ، الآن أنت بين يديّ، ستصيرين لي وحدي، وسأمحو من فوق جسدك بصماته، ونظراتهم المشتهية، أنتِ هنا؛ فزيدي من كفرنا بكل ما يؤمنون به، هلم.. ردي إلى السماء تفاحتها؛ وافتحي لي أبواب جنتك. دعي المجون يتجسد شبقًا، دعي السياط تلسع شهوتنا فلا نبالي، اصنعي الجنون الذي به نحيا، فلتمنحيني كلك بلا ذرة نقصان، يا سالومي ما كنت باخع نفسي على آثارهم، وإني لكِ أحيا وأموت، فكي الحجاب حبيبتي، فأنت الآن في حضرة برزخي، تالله ينساب شعرك كالليل على اللهب في عتمة الصحراء، أريني منك كينونتي التي سكنتكِ، دعي ضياء جسدك يسلخني؛ فأنا مبعوثا من رماد فراقك، لا أعرف إله إلاكِ، ولا أسبّح إلا باسمك، آه من نهر نهديكِ، في جسدك أتعبد، داعيًا، أن تكونيني، وأكونك، ارقصي.. تعري، لتكن أجراس كنائسنا، وآذاننا، هي موسيقانا، آه يا حبيبتي؛ قتلني النظر إليكِ، وجسدك الفوار أعلن الهزيمة، عيناكِ تقولها، أحبك أنت وحدك، تشربني.. تبعثرني،. تتموجي.. تتأودي، تنتفضي، تتمرغي فوق كتبي، لو كنت مكانها؛ لاحترقت. حبيبتي تبكين!

تنشجين، وأهرع إليك لأمسك بك قبل السقوط، تتدفق دموعك كأمطار يناير، تحترق روحك بكاءً، تغيبين عني، يغشى عليكِ، أضمك، أربت ظهرك، أمسح شعرك، أقبل جبينك، أتأملك، أبكي، أنوح، مالِ هذا القدر قد حكم بيننا فراقا؟ مالِ هذا القدر لا يلبي؟ أيكون انتهاك الآخر لك هو ما يرضيه! أيكون عذابك معه هو ما يمنع الجحيم عنا! أنت لي أنا، أنت أنا، أحملك إلى فراشي، تتساقط دموعي على نهديك، أدثرك، وأقعي صامتا، بكائي يشطرني، صراخي المكتوم يذبحني، لوعتي، رجفتي، غضبي، والآن.. أسمع وقع أقدامهم الغاضبة، تفتحين عينيكِ بضعف، لكني أفهم تلك النظرة، طرقاتهم على بابي تكاد تحطمه، ولا أبالي، لماذا يا سالومي؟ كيف بك لازلت أسيرة جهل عمى بصيرتهم، صنعته القرون البائدة، كيف بك تأتي إليّ، وأنت من أبلغهم! الآن سيقتحمون، والآن أفهم.. يا عشقي المكلوم، يا كل ما رجوته من السماء، يا سالومي، رقصت لي عارية.. والآن قد أتوا يطلبون رأسي.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى