التخطي إلى شريط الأدوات
فنونفنون معاصرة

لماذا يكره المثقف أوكا وأورتيجا؟

كتب: سامح فايز

في ساحة الحرم اليوناني الذي ظل تابعًا للجامعة الأمريكية منذ شراؤه من الجالية اليونانية عام 1964 أقيم حفل لفرقة المهرجانات 8 % التي تضم أوكا وأورتيجا وشحته كاريكا ضمن احتفالية “دي كاف” في دورتها الرابعة. تركت الحفل بعد بدايته ووقفت في نهاية الصفوف أتأمل الجمهور، نسبة كبيرة من الأجانب والبقية لشباب وفتيات تعرف من ملامحهم طبقة اجتماعية متوسطة ظلت لفترة طويلة تهاجم أغاني المهرجانات، مابين عام 2006 مع ظهور أغنية المولد للمطرب جمال السبكي وعام 2009 مع ظهور أغاني المهرجانات، وما يحدث الآن في 2015 مسألة تستحق النظر.

على مدار سنوات ظل أي مثقف محب للغناء الكلاسيكي عدوا لأغنية المهرجانات، لكن أرضًا تتسع بمرور الوقت لصالح هؤلاء تخبرنا أن هناك خلل، معظم ما كتب في المسألة ذكر أن فرق المهرجانات ظهرت في الأماكن الشعبية كوسيلة قليلة التكاليف في أفراحهم. لكن المسألة تضم أبعادًا أخرى.

البداية

ادلع يا عريس يا بو لاسة نايلون.. ادلع يا عريس وعروستك نايلون.. عند بيت أم فاروق.. هاي هاي.. والشجره طرحت برقوق.. هاي هاي.. واللي بحبه جدع مرزوق.. وبلاسة لاسة نايلون.

مقطع من أغنية كنت أسمعها في أفراح قريتي، تجلس النساء ليلة الحنة يغنين ويرقصن داخل منزل العريس والعروسة، وسيلة فرحة لأهل الريف لن تكلفهم شيئًا، تبدلت المسألة مع ظهور أجهزة الكمبيوتر، أتذكر جيدًا بعض شباب القرية الذي قرر أن يكون تشغيل الأغاني عن طريق جهاز الكمبيوتر في الأفراح مصدر رزقه، أو ما أطلق عليه بعد ذلك الـ “دي جي” -وهو اختصار لكلمة “دِيْسْكْ جُوكِيْ Disc Jockey”- ويقصد بها مقدم الأغاني المسجلة أي الشخص الذي يتولى اختيار وتقديم الأغاني والألحان المسجلة مسبقا للجمهور.

قبل ذلك بسنوات كان الأورج الكهربائي وجد طريقه للنوادي الليلية في مصر، جهاز واحد فقط بديلاً عن تخت موسيقي كامل، يصدر جميع أصوات الآلآت الأخرى ويضم إمكانية تسجيل أصوات موسيقية مختلفة، شيئًا فشئيًا وجد طريقه لفرق الأفراح في الريف والأحياء الشعبية.

دائمًا كان صاحب الأورج هو صاحب الفرقة، في قريتنا بمركز كرداسة اشتهرت فرقة اسمها محمد علي، يعزف صاحبها على الأورج بصحبة مغني شاب في الخامسة عشرة من عمره، لكنه لم يكن يستمر طويلاً في الغناء، إذ يقطع وصلته الغنائية شخص يدعى النبطشي، رجل يقف على المسرح يشجع الجمهور على دفع “النقطة” للعريس، ميزته أنه يعرف جميع الحضور، يستقبلهم على حسب قدر كل ضيف و”النقطة” المدفوعة.

تطورت عن طريق الأورج الكهربائي موسيقى السمر التي اشتهرت في الأفراح في التسعينيات، وتطور أيضًا عمل مقدم الأغنيات الـ “دي جي” في القري، فبدلاً من جهاز كمبيوتر ومجموعة من الأسطوانات تضم أشهر الأغنيات ظهرت أجهزة صوت حديثة، أصبح الجميع يتبارى في تقديم الأفضل، انتشرت “الريمكسات”، -أغنية يعاد توزيعها من جديد عن طريق برامج الصوت بإيقاعات أسرع- التي تصنع عن طريق برامج كان أشهرها فروتي لوبس، برنامج لتصنيع الريمكسات وإعادة التوزيع الموسيقى للأغنيات.

في بدايات الألفية الثالثة قدم المطرب الشعبي جمال السبكي أغنية “هنروح المولد” على أنغام موسيقى السمر بمصاحبة الأورج الكهربائي، في ذلك الوقت انتشرت فكرة الـ “دي جي” الشعبي في أفراح الريف والأماكن الشعبية، لن تكلفك المسألة كثيرًا، لست في حاجة إلى فرقة ومسرح تتجاوز أجورهم تكلفة الزيجة بأكملها. وفي نفس الوقت أيضًا بدأ أصحاب الـ “دي جي” يقدمون ابتكارات مختلفة، أشهرها أن يصحبهم شباب يرقصون البريك دانس على أنغام موسيقى الروك.

تحول صاحب الـ “دي جي” إلى دور النبطشي الذي يشجع الجمهور، لكن في هذه المرة لمشاركة الشباب الرقص وإضفاء حالة من البهجة، يصدر بعض الجمل التشجيعية بمصاحبة موسيقى السمر التي تلاعب فيها باستخدام برامج الريمكسات، لتصبح أقرب إلى الموسيقى الصاخبة التي اشتهر بها موسيقى الهيب هوب والروك والراب والميتال.

انتشرت هذه الطريقة في الأفراح بشكل أكثر تطورًا في مدينة السلام والمطرية وعين شمس، ومن هذه المدن الثلاث خرج أول مهرجان شعبي بعنوان “العشرين”، كلمات يتباهى بها أصحاب الـ “دي جي” في فرح أحدهم بصحبة ريمكسات صنعوها على البرنامج الموسيقي فروتي لوبس وجدت طريقًا بين العمال وأصحاب المهن البسيطة في الريف والأماكن الشعبية.

في فيلم المهرجان الذي يحكي قصة حياة مطربي المهرجانات سادات وفيفتي والموزع عمرو حاحا دارت الحكايات حول شباب يتاجر في المخدرات لكنه وجد ملاذًا في الرقص والغناء على ريمكسات الـ “دي جي”، وأيضًا تحول حلاق وآخر بائع وجبات سريعة إلى أوكا وأورتيجا أشهر مطربي المهرجانات في مصر والوطن العربي.

التطور السريع الحاصل لأغنية التكنو شعبي سببًا رئيسيًا له محاولة سكان القرى والأحياء الشعبية خلق بديلاً لأفراحهم أكثر بهجة، وأقل تكلفة، لن يملك الفقير احضار عمرو دياب أو محمد منير لفرح ابنته أو ولده، لكنه يملك مسجل يضع فيه شريط بجنيهات بسيطة، ثم عن طريق مكبرات صوت يدندن المطرب الشهير في أحياء المنطقة السكنية الفقيرة، ولأن الحاجة أم الاختراع تحول استخدام المسجل إلى جهاز كمبيوتر يتنقل به أحد الشباب بين الأفراح، ريمكس الأغنية وإعادة توزيعها من جديد انتقل إلى مسائل أخرى، فالنبطشي الذي كان يقف على خشبة المسرح يصدر أصوات تشجيعية لضيوف الفرح يحثهم فيها على استنزاف ما في جيوبهم لصالح العريس، انتقل إلى صاحب الـ “دي جي”، الذي جدد في شكل النبطشي فبدأ في احضار مجموعة من الشباب يرقصون بمصاحبة ريمكسات الأغنيات، يمسك أحدهم الميكروفون، يحيي الحضور، يصدر عبارت تشجيعية للجميع، بدأ أصحاب الـ “دى جي” في الأحياء الشعبية المختلفة يتنافسون في السعي للأفضل، تعلم رقص البريك دانس كان الأشهر في الأحياء الشعبية في هذه الفترة، وسائل بهجة تلمسها أبناء الفقراء من أغنيات مايكل جاكسون، محاولات فاشلة لم تستمر لتعلم رياضة الكونغ فو التي تسهل عملية تعلم هذه الرقصات، بالتأكيد لا يعرفون موسيقى الهيب هوب أو الراب التي صاحبتها هذه الرقصات، لكنهم يعرفون أن هذه الرقصة مميزة، تلفت انتباه الفتيات في الأفراح، مجموعات من الشباب تذهب إلى الأفراح الشعبية حتى لو لم توجه لها دعوى، أفراح البسطاء تقام في الشارع، والشارع ملكًا للجميع، يرقصون، يشعلون الفرح، يتفننون في تطبيق الرقصات كأحسن حال، ينتبه لهم صاحب الـ “دي جي” الذي يريد أن يطور نفسه ليواجه منافسة شرسة من أصحاب دي جيهات أخرى، يستقدم هؤلاء الشباب ليصحبوه بمقابل مادي، لن يقدم أحدهم رقصه مجانًا بعد الآن.

منذ سنوات صادقت أحد هؤلاء الذين يرقصون في الأفراح رقصة البريك دانس، كان جار لي في السكن، يتفنن في ارتداء أحدث الثياب حين يعرف أن فرح أحدهم على الأبواب، له قصة شعر مميزة يصاحبها ارتداء ملابس الراقصين الأمريكان، مجرد أن يدخل الفرح يسقبله صاحب الـ “دي جي” بالأغنية المناسبة، يعرف أنه وجد ملاذه الذي سيشعل الليلة، لكن صاحبنا كان يواجه رفض عائلته للفكرة، يصرخ الأب في وجه ولده قائلاً: “ولما أهل عروستك يسألوك بتشتغل إيه هتقولهم برقص يا عمي”. ترك صاحبنا الرقص في الأفراح وذهب ليعمل مع أخيه عاملاً في أحد محلات البيتزا، لكنه لم يترك قصة شعره المميزة، ولم يتخلى عن التفنن في ارتداء ملابس ملفتة، حدثني في أحد المرات قائلاً: “كان نفسي أكمل تعليمي وأدخل جامعة وابقى حاجة فخمة كده”. مجرد شباب يبحثون عن الاحترام الذي يظنون أنه سيفك قيد قهرهم في مجتمع لا يعرف سبيل العدالة الاجتماعية.

تشكل في أذهان هؤلاء الشباب بسبب قهر مجتمعي ما أو فقدان عدالة أجتماعية أن أعمالهم البسيطة مهينة، علمًا بأنهم أفراد في المجتمع يؤدون أدوار لا تقل أهمية، لكن تحول البحث عن قهر ذلك التراجع في العدالة الاجتماعية بالرقص والغناء، وكلما كان الرقص أكثر جنونًا وكلما كان الغناء أكثر صخبًا كلما كان تمردهم أكثر فائدة.

نفس المثقف الذي يهاجم التكنوشعب يقف منبهرًا أمام أغاني الروك آند رول الأمريكية وأغاني الراب والهيب هوب، تراه يحفظها ويستمع إليها مردد كلماتها الأجنبية التي من المؤكد لن يفهمها غيره، بالطبع فهو مثقف يعرف ما لا يعرفه الآخرون.

لكن كيف بدأت هذه الأغاني؟

خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين انتشرت موسيقى “الهيل بيلي” أو الموسيقى الريفية في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان غالبية الموسيقين عمالاً في مصانع النسيج أو مناجم الفحم، ومزارعين وعمالاً في السكة الحديدية ورعاة بقر ونجارين وسائقي عربات شحن وعمالاً عاديين وحلاقين. قبل ذلك بسنوات كان للزنوج في أمريكا أغانيهم الشعبية والتي كانت تسمى “البلوز”، أغاني خاصة بالريف والأماكن الفقيرة يغنيها أصحابها ليرقصوا عليها ويحترفها عمال وفلاحين. في الأربعينيات بدأت ملامح موسيقى شعبية أخرى تظهر في أمريكا عبارة عن مزيج بين موسيقى “الهيل بيلي” التي يغنيها فقراء البيض وموسيقى “البلوز” التي يغنيها فقراء السود في أمريكا، أطلق عليها موسيقى “الروك”. موسيقي تعتمد على ثلاثة آلات رئيسية: الجيتار الكهربائي والبيس جيتار والدرامز. ولطبيعة الجيل الشاب في المجتمعين الأمريكي والبريطاني في تلك الفترة، الخارجين توًا من حرب عالمية، لم تعد الموسيقى تسمع بهدوء بل أصبحت الآلات الكهربائية تحل محل الآلات الصوتية.

عام 1970 ظهرت موسيقى الهيب هوب والتي اعتبرت حركة ثقافية للأمريكيين الأفارقة والتي نشأت كرد فعل لما تعرضوا له من العنصرية ولإظهار ثقافة وفن مستقل بهم وكنوع من التعبير عن أنفسهم وعن المشاكل من الفقر والبطالة والعنصرية والظلم.

وكان ضمن فوائد تطوير ثقافة الهيب هوب اشغال الشباب السود في أمريكا في الرقص والغناء بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات.

الهيب هوب كان من ضمنها موسيقى الراب، والتي كانت في بدايتها عبارة عن  شخص يصعد إلى المسرح ليصدر عبارات تشجيعية للجمهور أثناء العزف، ثم تطورت إلى أغنية الراب بشكلها الحالي، صاحب الهيب هوب أيضًا رسم الجرافيتي على الجدران، العلاقة بين الكتابة على الجدران وثقافة الهيب هوب نشأت حين كان أوائل فناني الكتابة على الجدران عناصر في فرق الهيب هوب، والتي كانت في مناطق فيها عناصر أخرى من الهيب هوب فأصبحت كل مجموعه تطور أشكالها الفنية. وكانت الكتابة على الجدران تستخدم كنوع من التعبير من قبل النشطاء السياسيين. وصاحب الهيب هوب رقص البريك دانس، كل ذلك إلى جانب  الـ “دي جي”.

معظم هذه الأغنيات الشعبية كانت تهاجم في أمريكا باعتبارها أغاني تدعوا إلى العنف والفاحشة لكن ما حدث بعد سنوات هو أنها أصبحت الأشهر في العالم.

نفس الحال مع أغاني المهرجانات التي وجدت طريقها للانتشار بعد الثورة، وأصبح صخبها هو المسيطر، لينتقل من الأحياء الفقيرة إلى حرم الجامعة الأمريكية، حيث تمكن هؤلاء الفقراء الذين بدأت أغنياتهم كسبيل للفرحة بديلاً عن مطربي الصفوة من الوصول إلى نفس أماكن هؤلاء الصفوة وتنحيتهم جانبًا، ليشترك العامة والخاصة في حب مسالة واحدة، أغنية المهرجان. وربما وجدنا بعد سنوات مثقفون أمريكان يدندنون أغنيات فقراء مصر كما يغني مثقفي مصر أغنايتهم.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة