التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

فساد الأمكنة

كتب: محمد محمود إمبابي

عندما أخبر الروائي أشرف الخمايسي عن رواية “فساد الأمكنة”، مُقررًا انها إحدى الأعمال التي تمنى لو أنه من أبدعها، أخذت قرارًاً بقرائتها ومضى وقت غير قصير قبل أن أجدها بالصدفة في إحدى المكتبات الشهيرة.

شرعت بلهفة في القراءة مُتجاهلاً التقديم الذي بدأ بة الرواية.. حسنًا.. أنت لا تستطيع أن تكتب مثل هذه الأحداث بتقاطعاتها إلا إذا كنت قد وقعت على سر الـ “كتابة” الذي لم يَستدل علية باحث قط، بل يجده -مصادفةً- من تحسس أركان العمل الأدبي أثناء كتابته بحرفية وليدة الموهبة، ووَلَهّ وليد الإندماج مع الشخوص والظروف، ولست أظن أن موسى أو غيره قد علم مُقدمًا أنه يَكتبُ ذهبًا منثورًا. بل تتأكد تلك الحقيقة لاحقًا عندما يُقرأ العمل ويودع في مكانه الذي يستحقه على رفوف الخالدات.

عن بَدوٍ غير البدو تحدث موسى.. بدو شلاتين الأقرب للأفارقة منهم للعربان القابعين بسيناء. بشر قد لا تندهش إذا سمعت عنهم بأحراش القارة ولكن ليس في مصر. البدو الذين اعتادت جمالهم لوك السمك المجفف بدلاً من سنابل الشعير، فلا مجال في ذلك القحل لرفاهية الإمتناع عن طعام ولو كان إمتناعًا فرضته خِلقة الله.. فاستطاع هؤلاء الغجر ترويض الفطرة لتستقيم مع ظروف الحياة في تلك الأصقاع.. قال موسى:

“لقد ظلوا أُمناء على العهد منذ حَطّ جدّهم الأكبر الرحال تحت أقدام جبل “علبة” الأشمّ، فأصبح الجبل كعبتهم.. ينحدرون إلى الشمال ويصعدون إلى الجنوب ويذهبون إلى الغرب ويستقبلون الهجرات المتتابعة عبر البحر على مر الزمان قادمهً من الشرق فتؤثر فيهم وتدفعهم أمامها, لكنهم يعودون إلى علبة. يقولون أن الله عندما خلق آدم, مثّل له الدنيا بُقعةً بُقعة ليراها، فلمّا رأى مصر، رأى جبل علبه مَكسوًّا بالنور، وكان جبلاً أبيض، فناداه بالمرحوم.. ودعا لأرضه بالخصب والبركة.

أيداخلهم الشك في أن آدم القديم هذا ليس سوى جدهم الأكبر كوكا لوانكا؟

استطاع موسى أن يقودني عبر شخص المُنقّب “نيكولا” إلى سراديب جبل “الدرهيب” بحثًا عن اثنتين بحرف الـ “ذال”، الذات والذهب. وكان بحث نيكولا المُسمّى تيمّنًا بقديس قديم عن ذاته أشدّ تأثيرًا على أحداث الرواية حتى صار بحثه عن الذهب فعلاً هامشيًا.

بدأت الرواية من المنتصف، بمقطع رأسي للدرهيب من عين صقر، واستطاع موسى بذكاء وسلاسة أن يحافظ على خيوط الأحداث بعيدًا عن التشابك، برغم تعدد الشخصيات التي أخذت حقها بغير اخلال في الرسم والتفصيل ولم تطغ رغم ذلك على شخصية “نيكولا” إلا عندما رغب صبري موسى في ذلك، عندما تحدث عن “إيسا” البدوي ذو التواجد القليل عظيم الأثر.

تطورت الأحداث على عكس ما توقعت، فمن بداية الأحداث بالبطل وحيدًا، وعودةً إلى توقيت سابق لم يكن فيه وحيدًا لتبدأ من هنا مرحله السرد الفعلى الذي سيترتب عليه كل شيء لاحقًا.

استطاع موسى أن يسكب على الورق شعور “الخطفة” الذي يصاحب الموت في الواقع عندما يموت أحدهم بدون سابق إنذار والذي عادةً ما لا تفلح الكتابات في إيقاعه على القارئ، بجانب الفانتازيا “المنطقية” التي لابد وأن تصاحب تلك الأجواء التي دارت بها الأحداث.

وبكثير من الترتيب المحكم استطاع موسى إدراج إيليا ابنة نيكولا في خضم الأحداث رغم أن وجودها لم يكن متوقعًا، فليس من المنطقي أن يصطحب أوروبيًا ابنته ذات العيون الملونة إلى مكان مثل قلب جبل الدرهيب. لينتهي به الأمر بمضاجعتها، ليحيي موسى بهذا الحدث الصادم أسطورة زنا نوح بإحدى ابنتيه الواردة في الرواية العبرية لقصة الطوفان.

الكثير من التفصيلات والمعلومات شديده الغرابة حريفة المذاق أوردها موسى في روايته. جبال أسطورية حية، بشر كالآلهة. قلاع مهجورة وموانئ غامضة، ورحلات خيالية على ظهور الجمال تستطيع بكل سهولة أن تعيشها عندما تقرأ الرواية.

الشيء الأخير.. ماذا قصد موسى من تسمية رائعتة بـ “فساد الأمكنة”، هل قصد أن بعض الأماكن تفسد من تلويثات البشر؟ أم أنه قصد الإشارة للعطب الذي تنضح به تلك الأماكن ردًاًعلى عدوان البشر عليها وهي التي خُلقت لتظل كما هي بكرًا بدون تدخل من الإنسان، فتَفسَد وتُفسِد كنوع من تفجير الذات والمعتدي معًا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رُبما المقصود بفساد الأمكنة تلك الأمكنة التي زارها البطل “نيكولا”، ذلك البطل الذي لم يعرف يومًا “الثبات”، كان دائم التنقل يروي جمال وقبح ما يزوره… أو رُبما كما قلت يروي فساد تلك الأمكنة بعدما سكنها البشر. “أثر البشر على الأرض”. الرواية كلها تقوم على فكرة “الاغتصاب”، لقد اغتصب العنصر البشري الأرض، الصحراء.. اغتصاب الملك لفتاة نيكولا الصغيرة العذراء.. واغتصاب ذلك البدوي للحورية الميتة.
    لا أستطيع تصديق أنها العمل الأول للمؤلف حتى الآن…
    مقال مميز جدًا
    شكرًا لك…