التخطي إلى شريط الأدوات
فنونمسرح

(لو كنت) المعجزة البسيطة الممتعة

كتب: أمير مصطفى

كيف تشاهد عرض ديودراما، أجنبية، مستقلة، وتستمتع بها؟!

جواب هذا السؤال الكارثي يتألق من خلال عرض (لو كنت) الذي قدمه للمسرح الفنان محمد خميس بإمكانيات لا تذكر.

في بداية العرض يفتح المسرح على البطلة وحيدة تكتب حكاية أطفال ولا تكملها حين تصل لنقطة ذكر فيها حادث ما وتستعرض البطلة تلك (الكارثة) التي صار الحديث عنها (تابو) محرم في جمل غامضة لا تشي بمضمون الحادثة، فقط تتحدث عن آثارها، ثم يظهر لها الأب ليشاركها إرهاصاتها النفسية.

وهنا نبدأ الولوج إلى عالم المرآة المسحورة وكأنها أليس تقودنا عبر رحلة من المتعة قوامها نحو أربعين دقيقة تثير في نفوسنا الكثير من التساؤلات المحببة للنفس في خطوة واسعة نحو فهم ذواتنا وذوات الآخرين.

المسرحية المقدمة من فصل واحد هي تناول مصري لمسرحية يابانية للكاتب إينواي هيساشي، يطرح العرض مناقشة لحياة فتاة وحيدة ناجية من مدينة هيروشيما الباسلة بعدما دمرها الانفجار النووي في 6 أغسطس عام 1945.

كانت براعة تناول العرض تتمثل في عدة نقاط بالغة الأهمية وتمثل إجابة التساؤل الذي طرح في أول الأمر:

كيف تقدم ديودراما، أجنبية، مستقلة ويستمتع بها المشاهد المصري؟!

والإجابة تتكون من دقة نقل المسرحية للجمهور المصري عن طريق التخلص من كل الدلالات التي تشير للمكان والزمان الأصليين للحدث وتحييد كافة الشواهد والأسماء (باستثناء اسم الحاكم العسكري وقتئذ) عن أي مكان أو زمان لتصير القصة المطروحة أمام المشاهد إنسانية، محايدة تمامًا، يستشعر معها الألفة ليظنها تدور في مكانه وزمانه هو، وهذا هو الفن الحقيقي الباقي عبر الزمان حيث تتم (أنسنة) القصة لتصير صالحة للحدوث في أي زمان وأي مكان ولا يستشعر بها المشاهد الغربة، أو الغرابة في تتابع الأحداث.

وقد أجاد المعد في ذلك جدًا، حتى أنه أجل لحظة المكاشفة بالكارثة التي يتحدث عن آثارها العرض طوال الثلثين الأولين من زمن العرض وصارح الجمهور بها في الدقائق الأخيرة، وإن كان قد ترك خلال العرض الكثير من الإرهاصات التي توضح ذلك للمشاهد المتمعن أو صاحب الخبرة السابقة بكارثة هيروشيما، وهو ما تألق فيه محمد خميس (مخرج ومعد وبطل العرض كذلك) حيث منح المتعة الاستكشافية تلك للمشاهد المحترف إن جاز التعبير، وكذلك منح متعة المكاشفة قبل النهاية للمشاهد الهاوي.

تلك المتعة تحققت أيضًا في دور الأب الذي هو بطل العرض بالشراكة مع الابنة بطلة العرض، ذلك الأب الذي هو في الواقع ميت ولا يوجد سوى في مخيلتها فقط، وهو يمثل السلطة الروحية المرشدة للابنة وهو في الحقيقة المعادل الموضوعي لعقلها الباطن الذي يكاشفها دومًا بما يرفض عقلها الواعي استيعابه.

منذ البداية يلاحظ المشاهد أن الأب يرتدي نفس الثياب، لا يشرب الشاي الذي تعده لنفسها وله، لا يأكل كذلك للتدليل على عدم وجوده، ويتوحد معها الأب في فقرة أداء حركي راقص متميزة لهما -الأب والابنة– حيث تتطابق خطواتهما بما يمثل أنهما ذات الشخص وتتعارض في القليل بما يوضح أنهما ليسا ذات الشخص في الآن ذاته، إن الأب هو العقل الباطن الذي يصارحنا دومًا بما نتحاشى أن ندركه بوعينا.

كان تألق الأداء التمثيلي شديد الإبهار حيث كان طبيعيًا جدًا صادقًا تمامًا يخلو من أي افتعال ومبالغة، وهي آفة المسرح المستقل، حيث الممثل دومًا ينطق الكلمة ويظهر تعبير الوجه الذي يستحيل وجوده في الحياة الواقعية.

وطوال أحداث القصة التي تتمحور حول ذكريات الابنة للحادث المحرم الحديث عنه يطالعنا خط موازٍ للقصة عن قصة حب شديدة الرقة تدور بينها وبين أحد الشبان المتمردين في السر عن أمر الحاكم العسكرى بالحديث عن الكارثة حيث نجد الشاب يقوم فقط بجمع بقايا الصخور المتخلفة عن الحادث والتي تعد دليلاً ماديًا حقيقيًا على الكارثة، وهو ما يذكرني بقول جورج أوريل في رائعته 1984 “إن مجرد قول الحقيقة في الدول الشمولية يُعد عملاً ثوريًا”، وهكذا يقرر الاحتفاظ بهذه الصخور لدى الابنة التي تقبل ذلك وتشاركه في جريمة كبرى تحت دعوى المساعدة الإنسانية وترفض مصارحة ذاتها بحبه.

نجد أن لدى الابنة عقدة ذنب غير مبررة تجاه نجاتها من الكارثة التي فقدت فيها أباها وصديقتها المقربة وكل أحبائها وتستنكر على نفسها الشعور بالحب في زمن الدمار الشامل، بل هي منذ البدء ضحية حالة من الارتباط الشرطي المؤلم لصوت الأمطار الذي يذكرها بالاختلال البيئي الناجم عن الحادثة.

وهكذا عبر كل تلك الأزمات النفسية والاضطرابات نجد الفتاة في رحلة البحث عن حقها في الحياة تناجي ذاتها المتمثلة في صورة الأب وتُبقي المشاهد دائم القلق والتوتر والحزن بسببها والإشفاق عليها لتنتهي القصة بتغلبها على أوجاعها الوهمية أحيانًا (كعقدة الذنب) أو الحقيقة مثل حرمانها من رثاء الأحباء ضحايا الحادث.

وبمساعدة الأب “عقلها الباطن” تسترد ابتسامتها وثقتها في ذاتها وتخرج في خلال المطر متحدية مخاوفها لتقابل حبيبها الذي قررت الاعتراف له بالحب واستئناف حياتها واسترداد سعادتها أو كما قال الأب قبل اختفائه النهائي من حياتها: إننا نستكمل حياتنا من خلالك ونتمم سعادتنا بسعادتك.

كان حوار المسرحية من عوالم روايات نجيب محفوظ، حيث سرد الأحداث دومًا بالفصحى بينما الحوار باللهجة العامية وهو محاولة لتقريب رؤية صناع العمل للمشاهد وكذلك الأداء المتألق للممثلين والغناء العذب بصوت بطلة العرض، كانت كلها عوامل جذب مشوقة للمشاهد وتمنعه من الملل الذي يغلب في الطبيعي على عروض الديودراما تلك.

وأخيرًا لقد استطاع محمد خميس وسلوى أحمد وباقي الفريق خلف الكواليس صناعة حالة من المتعة الممزوجة بالتعريف عن حدث مأسوي في تاريخ الإنسانية كذلك الحدث. واستطاعوا جذب حواس المشاهدين وانتباههم لآخر لحظة في العرض، وهذا هو الدور الحقيقي للفنان حيث انقطاع المتعة هو انتفاء للفن ذاته.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة