التخطي إلى شريط الأدوات
أدب ساخرمشاركات أدبية

الإنشكاح

كتبت: منال عبد الحميد

كان عنوان الرواية غريبًا، لافتًا للأنظار، رغم أنه لم يكن يشذ عن موجة العناوين الغريبة العجيبة المتعمدة للأعمال الأدبية بصفة عامة في السنوات الأخيرة.. “الإنشكاح”!

اسم يُوحي بملهى ليلي وليس رواية من خمسمائة وستين صفحة، لكنه كان هو الواقع فعلاً!

رواية بهذا الاسم من دار نشر لها نصف دستة أعمال، أو أكثر قليلاً، وبضع شهور في السوق وبلا اسم ولا خبرة ولا تجارب سابقة مثيرة للانبهار!

لكن اسم المؤلف على الكتاب كان غريبًا جدًا وربما أكثر غرابة من اسم الرواية ذاتها.. غريبًا لدرجة جعلت مُعظم من امسكوا بالرواية وقلبوها بين أيديهم يكادون يعجزون عن تحديد معنى الاسم أو يتفقون على قراءة واحدة له.. الأغلبية قررت أن اسم المؤلف هو “عبد الحميد”.. بينما رأت فيه طائفة من القراء “عبد المجيد” واضحًا لا شك فيه.. الشاذون ومن لا قيمة لآرائهم أعلنوا أنه “عبد العزيز” ولا يعرف أحد كيف استخرجوا حروف العين والزاي من جملة الحروف المنقوشة المتداخلة!

القائمين على جناح الدار في معرض الكتاب الصغير التزموا الصمت التام وأطبقوا أفواههم رافضين تمامًا الإفصاح عن الاسم الصحيح أو الكامل لمؤلف الرواية ذات العنوان العجيب.. وتعامل الجميع مع الأمر وكأنه سر حربي ينبغي التكتم  والحجر عليه خشية أن يتسرب إلى مسامع الأعداء!

حتى مدير دار النشر ذاتها، حينما سؤل عن حقيقة الأمر، أفتى بأن هذه الرواية هي عمل أدبي شديد السفالة لرجل يحتل مكانًا مرموقًا في الدولة ولا يبغى الكشف عن اسمه خشية الفضيحة!

وما إن سمع القراء كلمتي “سفالة” و”فضيحة” حتى وقفوا طوابيرا في محاولة الحصول على نسخة من الرواية قبل نفادها من الركن الصغير الذي تحتله دار النشر النكرة في إحدى صالات معرض الكتاب!

ونفدت الطبعة الأولى كلها قبل انقضاء أول يوم من أيام المعرض وفي اليوم التالي كان الناشر يعلن مُبشرًا الجماهير الغفيرة بقرب الانتهاء من طباعة الطبعة الثانية من رواية (إنشكاح)..

ولأننا شعب يحب التداعي في الخير ويعشق تعميم الفائدة، فقد أعلم الحاضر الغايب.. وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر الرواية (السافلة) ومبيعاتها الهائلة وأخذ الأخوة يتناصحون بينهم في الخير معددين مزايا الرواية وقيمتها الفريدة وكيف أنها تناقش قضايا المجتمع بأسلوب شبابي فريد من نوعه.. الحلو حقًا في الموضوع أن مُعظم من أطروا الرواية على مواقع التواصل الاجتماعي وتصدوا للحديث عن جودتها وجمالها لم يكونوا قد قرءوا حرفًا واحدًا منها.. فقد أخذوها على علاتها دافعين فيها مبلغًا وقدره اعتمادًا على كلمة مدير دار النشر الذي أوحى لهم أن هناك أمورًا خلف الأمور وأن الرواية من الصنف الذي يشكل معينًا لا ينضب لقلة الأدب والتمادي في الأوصاف والمشاهد الخارجة.. عكف المشترون، الذين اكتفى بعضهم من الغنيمة الثقافية بالرواية التي تبدو حقًا، من اسمها والصورة التي لا معنى لها ولا يظهر منها شيء سوى أذرع وسيقان عارية على غلافها، على تقليب صفحات الرواية الضخمة بحثًا عما يشتهون وما يتمنون العثور عليه فيها.. الغريب أن الرواية لم يكن لها أي علاقة بالإنشكاح لا من قريب ولا من بعيد!

رواية جادة جدًا، جامدة جدًا، حزينة ومأساوية حتى النخاع.. نكد أزلي يتفوق على نكد المسلسلات اليابانية التي يموت كل أبطالها ميتات مأساوية دون مبرر مفهوم!

ما علاقة عنوان الرواية وغلافها إذًا بمحتواها المغاير تمامًا؟!

لا توجد علاقة بينهما على الإطلاق.. إنها مجرد خدعة من كاتب أريب أحسن اختيار العنوان ومن ناشر أكثر ذكاء أحسن عرض منتجه وترويجه بين أوساط المغفلين وهواة الهلس!

كان يعرف أنه لن يبيع روايته إلا بتلك الطريقة ووافقه الناشر.. وعلى حس الرواية المنشكحة بيعت جميع الكتب والروايات المجاورة لها، من باب من يجاور السعيد، لأن الجماهير العريضة افترضت أن كل منشورات وإصدارات الدار إياها ستكون على شاكلة الرواية إياها!

لكن الطريف حقًا في الأمر أن أحدًا ممن اشتروا الرواية وأشادوا بها مسبقًا، قبل أن يفتحوها، لم يجرأ، بعد القراءة والتمحيص والبحث بعدسة مكبرة عن المحتويات المطلوب العثور عليها، أن يعترف بالخديعة وأنه جرى الضحك عليه واستغفاله..

أصلاً مُعظم من اشتروها أعلنوا أنهم ابتاعوها لأنها تناقش قضايا المجتمع بأسلوب جديد.. طبعًا كان كل منهم لديه تصور عن قضايا المجتمع مختلف تمامًا عن الآخر.. الكارثة أنهم وجدوا أن الرواية تناقش، فعلاً، قضايا المجتمع!

كاد بعضهم يعود إلى الناشر ويصرخ في وجهه مطالبًا برد نقوده له مُعلنًا أنهم لم يتفقوا على ذلك.. لكن كيف يبررون رغبتهم في استرجاع فلوسهم وإعادة الرواية لناشرها؟!

سيفهم موقفهم على حقيقته تمامًا وسُيعرف لما أقدموا على شراء تلك الكومة من الأوراق المطبوعة!

ولأن بقية الحياء منعتهم من إعلان تلك الحقيقة التي كان الجميع يعرفونها أصلاً بلا حاجة إلى إعلانات أو فضائح.. فقد رأوا أن خير انتقام يحققونه لأنفسهم هو أن يورطوا غيرهم فيما تورطوا فيه هم أنفسهم!

على العام في الصفحات والمجموعات المهتمة بالكتب أخذوا يشيدون بالرواية، التي كان ثمنها المرتفع لايزال يقصم ظهورهم، التي ليس لها مثيل والتي لم يكتب الكاتبون لها نظيرًا ولم يؤلف الركبان لعبقريتها مثيلاً.. اشتدت حمية المتابعين، خاصةً بعد الرسائل التي كانت تصلهم على الخاص في صناديق رسائلهم تشيد بما تحويه الرواية من مناظر وألفاظ وأوصاف، واندفعت دماء الحماسة في عروقهم.. فخرجوا صباحًا في شبه تظاهرة شعبية متوجهين إلى معرض الكتاب وعادوا فرحين وقد حصل كل منهم على نسخة من الرواية الميمونة وتركوا أرفف العرض الخاصة بها صلعاء فارغة تلمع تحت الأنوار الساطعة!

في اليوم الثالث نزل الناشر بالطبعة الثالثة والرابعة معًا!

ما أثار دهشة البعض حقًا هو كيف لحق الناشر أن يقوم بتجهيز طبعتين جديدتين من الرواية في ليلة واحدة؟!

كان هذا لُغزًا.. لكن الغيرة والحقد اللذين استوليا على قلوب بقية الناشرين في المعرض لم يدعا لهما فرصة للتفكير في حل مناسب لذلك اللغز الغريب!

بدأ البعض يتصرفون من وحي إحساسهم بالمسئولية الهائلة الملقاة على عواتقهم التي قصمتها أسعار الورق والأحبار وأجور مصممي الأغلفة الباهظة، ومتاعب النشر والتسويق وتكاليفهما، فبدأ البعض يستفسرون بلباقة عن اسم كاتب رواية (إنشكاح) الكامل.. كان الناشر وحده هو الذي يملك تلك المعلومات وقد رفض الإفصاح عنها لمخلوق حي يتنفس أو حتى ميت متحلل.. غيروا إستراتيجيتهم وأخذ البعض يتساءلون عن موعد حفلة توقيع الرواية التي وصلت خلال أسبوع واحد للطبعة العاشرة!

ضن عليهم الناشر بتلك المعلومة أيضًا وأعلن أن السيد الكاتب هارب خارج مصر لأن عليه قضايا آداب!

كانت كلمة (قضايا آداب) هذه كافية جدًا لخلب أسماع السامعين والقارئين.. تهافت باقي الرواد، ممن لم يسعدهم الحظ بشراء نسخة من الرواية بعد، على اقتناء نسختهم قبل أن تنفد الطبعة الجديدة هي الأخرى.. أو أن يتم، لا سمح الله، تبرئة الكاتب الهُمام من القضايا المخلة بالشرف التي عليه!

أعلم الحاضر الغائب وتبخرت الطبعة الثانية عشرة والثالثة عشرة في نفس اليوم!

وخلال أيام المعرض القليلة تم تسويق وبيع تسعة عشرة طبعة من الرواية التي في حجم المخدة!

أشاد الجميع بالرواية، التي لم يقرءوها، وتكونت مجموعة على الفيس بوك تتعصب للرواية وكاتبها وتشيد بمحتواها.. وأخذ أعضاء المجموعة يعرضون أفكارهم عن إنشكاح وكيف تغيرت حياتهم بعد قراءتها وأخذ بعضهم يتحدث عن الوجع الذي سببته له وكيف قضى الليل مُسهدًا يبكي.. بينما اعتبرها الآخرون بمثابة كريم الحروق الملطف في حياتهم!

والحقيقة أنه لا هؤلاء ولا هؤلاء قرءوا الرواية ولا يعرفون حرفًا من محتواها!

أما من تجرءوا على انتقاد العمل الأدبي الفذ واصفينه بالتافه وشبيه المآسي الهندية، التي يقابل المرء فيها أمه في الأتوبيس ثم يقابل نفسه في نفس الأتوبيس ثم ينزل من الأتوبيس ليجد أباه المرحوم واقفًا بانتظاره ومعه أتوبيس ثالث، منددين بالتعارض بين اسم الرواية ومحتواها، فهؤلاء كان نصيبهم الشتم واتهامهم بأنهم لا يفهمون حرفًا في الأدب!

نال مُعظم المعترضين الحظر المتين.. بينما لم يبق في المجموعة سوى المهللين والمطبلين!

تهافت الناس على انتظار العمل القادم للكاتب الفذ وانبروا في السؤال الدائم عنه.. بينما جمع الناشر الغلة واستعد لإغراق السوق بطبعات جديدة!

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق