التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

شبه متمرد

كتب: أحمد إسماعيل

كانت تداهمه تلك الذكرى بشكل تلقائي بحيث لا يجد فيها غرابة أو مللاً، التي خلالها يرى شمس التاسعة قد غمرت الأرض اللينة بعد يوم ماطر قد مضى، بنورها الدافئ داخل الحارة القديمة، التي حين جاءها في المرة الأولى كانت ترافقه زوجته المتوفاة منذ ثلاثة أعوام، تتشابك أصابعه مع أصابعها الطويلة الناعمة ذات البياض المشرب بحمرة خفيفه بينما كانت يده الأخرى تتحسس بفرح خطاب التعيين وقسيمة الزواج المطويين في جيب بنطاله.

كانت تسبقهما إلى نهاية الحارة عربة “كارو” تحمل المتاع يجرها حصان عجوز، فيما كانا -هو وهي- يتطلعان بفرح إلى أعلى، حيث النساء المطلات من الشبابيك والشرفات ثم إلى الأسقل قليلاً عند مداخل البيوت المزدحمة بأخريات يتطلعن إليهما بوجوه باسمه، وكانت تملأ آذانهما صيحات الأطفال.

غالبًا ما يكون ذلك كالمعتاد باكر كل صباح في أثناء خروجه من البيت القديم الذي يسكن بطابقه الثاني، وهو ذاهب إلى المصلحة التي يعمل بها، متخذًا طريقه المنحدر من الحارة الضيقة التي تستقر بأسفل جدرانها الرطوبة ونشع البول، إلى الشارع العمومي الذي تغشاه دائمًا الحركة والضوضاء ليل نهار، حيث محطة الأتوبيس. كان لا يحس بشيء غير ثقل قدميه المختفيتين في حذاء تالف إلى درجة مزرية، رباطه مفكوك، تغطي مقدمته طبقة يابسة من الطين، وكان في أثناء سيره كسلحفاء لا يتبين ما يكون عالقًا بقدميه من أوساخ، ولكن إذا انتبه لذلك يكون قد أخذ وقتًا طويلاً حتى يتسنى له تخليص نفسه. هو الذي كان يراه الناس في أغلب الأوقات مرتديًا سترة رمادية خفيفة وبنطالاً أسود متجعدًا يلتصق به الغبار وحائل اللون عند ركبتيه، أما في الشتاء فكان لا يضيف إلى هيئته هذه شيئًا غير “كوفية” يلفها حول عنقه النحيل باستهتار، بينما يدس يديه مضمومتين في جيبي سترته. وفي أوقات كثيرة يحب أن يميل برأسه إلى الوراء قليلاً حتى تستقر عيناه على أعالي البيوت التي تتراجع خلف ظهره مع كل خطوة كان يخطوها، وأحيانًا يسيطر عليه باعث ملح بأن يضيق من جفنيه ليرى عبر أهدابه الطويلة تباعد الأشياء عنه وتضاؤلها حيث كان يستهويه ذلك لحد الابتسام والانتشاء، فينجلي ذهنه ويبدأ في نشاط محموم، ربما لا يزيد على خيالات تتسابق تفاصيلها المتشظية في متاهات مخيلته المشبعة بالمخدر أو ربما ينطوي على حقيقة.. عندئذ يظل مستسلمًا للحظات قليلة للنور القوي المنبعث من النافذة الكبيرة حين تأخذ مخيلته في التطلع لما هو كائن وراء ظهره بعد أن تلاشي الظلام البائت الذي كان يكتنف الحجرة التي بها مكاتب زملائه الموظفين، وأيضًا مستسلمًا للهواء الذي يداعب شعر رأسه الخفيف، غير أنه يولي ظهره للنافذة ثم يتوجه ناحية مكتبه على الجانب الأيسر كي يجلس إليه، فقد كان يتململ إلى أن يتخذ وضعًا مريحًا، وتفتر عن شفتيه الرقيقتين ابتسامة واسعة، ثم تغمره سعادة بمذاق الطمأنينة التي إذا زالت كان يبقى أثرها عالقًا بذهنه الذي يجترها في أوقات الوحدة بين جدران حجرته، محاطًا بخيوط الدخان الأزرق.

فتح أحد الأدراج متناولاً نظارته الطبية التي من خلالها جعل يرسل نظرة طويلة وثابتة ناحية المكتب المقابل حتى تلاشت المسافة الفاصلة بعد أن تكونت أمام عينيه دوائر بيضاء بدأت صغيرة ثم أخذت تتسع وتتسع وتتسع مبدية له في وضوح هيئة إلهام زميلته. كانت قد بدلت ابتسامتها العفوية بأخرى محرضة، وأظهرت ساقيها العاريتين إلى ما فوق الركبة من تحت المكتب، اللتين كانتا يزيدهما فتنة جورب شفاف يضغطهما بإتقان.

في حين جعل يتسلقهما بحدقتيه الصغيرتين في هدوء لذيذ ينفث شبقًا ويتحديان بريق الجورب بفعل النور المنعكس عليه ثم يكفان عند رؤيتهما “المينى جيب” ذات اللون الأسود. ما يحيره أن عينيها الواسعتين أصبحتا تقابلان عينيه وعيون الآخرين بقبول وجرأة. كان قد لمس هذ التغير بنفس كارهة وقلب غيور، حيث تمنى أن يرجع الزمن ليراها تتحرك كما عهدها من قبل، في ثياب متواضعة، وبخطوات وقورة، وابتسامة يربكها الخجل. جاءت بداية ذلك عندما بدأت تتكرر زيارات المدير بحجة تفقد الأحوال، الذي أخذ يمهد إلى ذلك بكثير من الأفعال التي كانت بدورها مكشوفة للكل بغرض أن يبادلها الكلام حتى توطدت العلاقة بينهما، التي جعلها المال أكثر حميمية فيما بعد.

كان جميع من بالحجرة يراقبونهما بنفوس ساخطة ورافضة. هنا وجد أن نفوسهم تشاركه فيما يعتلج بداخله فلم يبذل أي جهد كي يجعلهم متضامنين ومتحفزين، إلا أنه بكلماته المشحونة بالانفعال بأنهم يقفون على حافة الهاوية، فأخذوا يتسلحون بالمكاشفة والتمرد إلى أن ترددت فيما بينهم كثيرًا كلمات “الإضراب والاعتصام”.

كان قبل خروجه من الحارة ينحرف إلى اليسار حتى يلقي نظرة سريعة على عناوين الصحف والمجلات الملقاة فوق الطوار، غير أنه في هذه المرة من ذلك اليوم طالت نظرته، وبدا أثر المفاجأة واضحًا على ملامحه بعدما وجد صورته تتصدر بعض الصفحات الأولى، حيث كانت مرفقة تحت “مانشتات عريضة” تعلن أن اليوم هو الأول من أيام الاعتصام.

بعدما زالت عنه المفاجأة أستطاع أن يتراجع بقدميه خطوتين متعثرًا في مشاعر المقت، وعلم أن الأمر كله لا ينطوي على شيء غير خديعته، عندما جعلوا منه قائدًا لهم في مثل هذا اليوم بالذات.!!. في ذلك الوقت لم يكن قادرًا على ترتيب تفاصيل ذاكرته كي يستنتج شيئًا متوقعًا، حتى بعد أن أرهف حواسه فلم يجد غير خواطر مفككة كانت تجول أما عينيه فقط وليس بذهنه؛ فقد رأى نفسه يقف ذاهلاً وسط حشد من الغرباء الذين تصدر عنهم هتافات مدوية ثم تأتي أصابع حديدية لتقبض عليه هو دون غيره.. ولم يمضِ غير وقت قصير حتى كان معلقًا من يديه بحجرة المكتب حيث المدير الذي يقف بداخلها على بعد مسافة قصيرة منه بينما كانت تفتر عن شفتيه الغليظتين ابتسامة ساخرة. أما هي فقد سبق ولوجها إلى الحجرة ضحكة ماجنة إلى أن بدت في زينتها الكاملة وهي واقفة خلف المدير. اقتربت منه لتلبسه نظارته الطبية الملقاة، التي من خلالها رجاها بنظرة منكسرة كي تنقذه من المأزق الذي وقع فيه، ولكنه وجدها لا تبالي. وفي أثناء ما يشعر به من مرارة وخجل كان يحاول أن يذكرها بالموعد الذي اتفقا عليه بالأمس، وبكلامها الرقيق له، فلم يستطع ذلك لأنهم كانوا قد انتزعوا لسانه.. عندها وجد دموعه تتساقط بغزارة على البلاط حتى أغرقت قدميهما. وحينما انشغل بمراقبة أعقاب السجائر الطافية ألمت به رجفة البلل قبل أن تلامس دموعه قدميه وشعر بامتلاء مثانته. بعد أن انتبه إلى نفسه وجد إحدى قدميه غائصة في حفرة يغمرها ماء عكر عندما كان يستعد للصعود. أفلتت يده القائم الحديدي لباب الأتوبيس متراجعًا، بينما كانت عيناه المثقلتين من أثر النوم، تتلمسان طريق العودة إلى البيت…

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق