التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

ملاحظات صغيرة على ظاهرة أدبية

كتب: عمرو على العادلي

سألت الأديب الكبير الذي وُلد قبل أن يولد أبي، هل ما يحدث الآن على الساحة الثقافية من انتشار وتنوع شيء صحي، فقال الأديب الكبير، طبعًا صحي، فقد كُنا في بداية الستينيات أكثر من مئتي كاتب، لم يبقى منهم إلا أقل من عشرة فقط، أي أن الواقع الثقافي سيتم غربلته.

كانت كلماته واقعية ومنطقية، ولكن هناك اعتبارات كثيرة لم يضعها الكاتب الكبير في الحسبان، فمثلا في بداية الستينيات لم تكن هناك دور نشر خاصة بهذا الحجم المهول الذي يصعب حصره، ثانيًا لم يكن هناك جرائد خاصة لها توجهات وتُميّل الكفة لصالح أفكار معينة، ثالثًا لم يكن التنوع في مجالات الكتابة بهذا الشكل العنكبوتي، ولم يكن مصطلح مثل “التنمية البشرية” قد ولد بعد، رابعًا لم يكن هناك هذا الكم الكبير من تكنولوجيا التواصل، ففيس بوك، ذلك الاختراع الجهنمي، سهل عملية التواصل والإعلان عن منتجات بعضها مهم وأغلبها وهمي، لا علاقة له بحاجة السوق أو احتياجات الناس الفعليّة.

فُقِد اليقين بأهمية كتابات معينة، أو الجزم بأن هذا الكتاب ممتع ومفيد أكثر من غيره، حتى النقاد الذين نتهمهم دائمًا بعدم قدرتهم على مسايرة الجديد في الكتابة، أراهم مظلومين بشكل ما، فهناك بعض كتابات انتشرت كانتشار الإشاعات في قرية صغيرة، ولكنها متواضعة، وأصحابها يتهمون النقاد بأنهم لا يهتمون بإبداعاتهم، وربما هي في الحقيقة لا تستحق عناء القراءة (ولا أقول لا تستحق الحبر) ولكن من حق أصحابها أن يعتقدوا ما يشاءون عما يكتبون، فأحد الكتاب نُشرت له مجموعة قصصية كلها صلوات وصيام والتزام بالشعائر والأوراد، ولا شيء غير ذلك، وفي الصفحة الأخيرة تمنى الكاتب أن يحصل على جائزة نوبل! من حقه أن يحلم ومن حق القراء أن يحكموا على كتاباته بما يرون فيها، ومن حق النقاد ألا يكتبون عنها، أو يكتبون، الجميع أحرار.

أما متون بعض الكتابات الجديدة فهي تُخطيء في الهجاء، وليس في الأساليب، فيكتبون “مشجب” معتقدون بأنها الكلمة الفصحى لـ”مشبك” وهناك من يكتبون في الصفحة الأولى من الرواية خمسة عشر اسمًا يصطدم بها القارئ دون معرفة مسبقة، وهناك من يملأ الصفحات بكلمات مثل “قالت بحذر، دلف بعنف، تودد برقة، جلست بدلال” ناهيك عن تراكيب ما أنزل الله بها من سلطان “أقبل الليل مشرقًا. صفعها بعنف لا إرادي صعب المنال. قالت له ووجهها مضرج بحمرة غير متوقعة”

ومثل هؤلاء لا يقبلون نقدًا، أو قولوا مناقشة، فيما يكتبون، وهناك مستوى آخر من فهم المقولات النقدية بالمقلوب، فتشتيت القارئ تعدد في مستويات السرد، والإطالة والإعادة المملة في فكرة واحدة تأكيد على الغرض السردي للنص، وذِكر أمثال شعبية خارج السياق استخدام للموروث الشعبي. والنقلات المفاجئة غير المنطقية إيهام ومباغتة.

وتبوء المناقشات حول هذه الموضوعات بالفشل غالبًا، لأن هؤلاء الكتاب يرون في التعليق، مجرد التعليق على كتاباتهم هو عين السخافة، وأحيانًا الحقد والنفسنة.

نعود للسؤال، من من حقه أن يحدد قيمة الكتابة، الإجابة، لا أحد. فهناك أربعة ترمومترات يقيس عليها القارئ ما يقرأه، وفي نفس الوقت لا يتحكم فيها القارئ ولا غيره:

  1. أن يكون للكتاب المطروح في الأسواق صدى في كل مكان، وهذه غالبًا فقاعات، فأحد الكتاب في بدايته كان يستغل أقاربه ليقفوا بلافتات تُعلن عن كتابه في معرض الكتاب. وقد أصبح بالفعل مشهورًا، ولكن كتابته لاتزال متوسطة القيمة. وهناك كاتب آخر صنع مئات الأسماء الوهمية ليعطون ما يكتبه أهمية من خلال الإعجاب والتعليقات والمشاركة. وهناك من ينشر في كل مكان أخبار عن تحويل عمله المكتوب الى فيلم أو مسلسل، القراء يشترون كتابه، ولا يتحول لأي شيء، ولكنه يبيع، وهناك كُتّاب يسعون بأنفسهم لتزوير كتبهم، على أساس أنها دليلاً دامغًا على جودته، وأنه مطلوب بشدة من عامة القراء… إلخ.
  2. النقد، أن يكتب عدد غير قليل من النقاد عن الكتاب في وقت متزامن وفي أماكن متفرقة، وهذه أيضًا يمكن أن تكون حقيقة ويمكن أن تكون فقاعة، ففي أحيان كثيرة أخدع في رواية برغم أني أدعي الخبرة في هذا المجال.
  3. الترجمة، هناك بعض الأعمال التي تترجم بسبب قوة النص، وهناك ترجمات تتم عن طريق أصدقاء الكاتب، وتكون نسخ محدودة للغاية، الغرض منها هو نشر أخبار تفيد بترجمة الكتاب، وأحيانًا تكون النسخ أقل عددًا من الأخبار التي نُشرت عن الاتفاق على عقد الترجمة.
  4. الجوائز. أن يحصل الكتاب على جائزة، وهذه الأخيرة هي التي تستحوذ على أكبر قدر من الثقة لدى القارئ، وهذه الجوائز أيضًا لها مبرراتها التي لا تتوافق غالبًا ومعايير الجودة في الكتابة، فهناك المجلس الأعلى للثقافة الذي يضع شروطًا غريبة لنيل الجوائز، منذ ثلاث سنوات كان هناك شرطًا أن تكون الرواية تاريخية، وعندما سألت أحد أمناء الجائزة عن هذا الشرط الغريب قال: أنهم أقروا ذلك الشرط لتشجيع كتابة الروايات التاريخية، وهذا كلام غير منطقى، فالإعلان عن الشروط يتم قبل إغلاق باب الترشح بحوالي شهرين فقط، ولا يمكن لروائي أن يكتب رواية في هذه المدة القليلة، وبالتالي فمن يقدم لمثل هذه الجائزة هو كاتب لديه بالفعل رواية تاريخية (أي أنه لا يحتاج لتشجيع من المجلس) وبالتالي مهما كان ضعف هذه الرواية فإنها ستفوز بجائزة أحسن رواية لعام كذا، متفوقة بذلك على روايات أكثر منها قيمة ولكنها ليست تاريخية، وهناك معايير غريبة في جائزة البوكر، مثل فكرة الكوتة، فهذا أديب سوداني لم يفز بالجائزة، ولكن هذا لبناني فاز بها في العام الماضي من لبنان، ففي دورة البوكر التي فاز فيها عبده خال برواية ليست فذة وهي “ترمي بشرر” أقرت لجنة التحكيم بأحقية فوز محمد المنسي قنديل، ولكنها تراجعت عندما نظرت في كشوف الدورات السابقة، فالدورة السابقة كانت لمصري، يوسف زيدان عن عزازيل، والدورة الأسبق (الأولى) فاز بهاء طاهر عن واحة الغروب، ليس هذا فحسب، ولكن الروايتين نشرتهما دار نشر واحدة “الشروق” والثالثة التي كانت أقرب للفوز “يوم غائم في البر الغربي” كانت لمصري أيضًا من نفس الدار! فهل يعقل هذا؟ في النسخة الأصلية من البوكر، البريطانية، يفوز أحيانًا كاتب واحد بها لدورتين.

الخلاصة. حتى الجوائز فيها كلام، كيف إذًا نحكم على كتابة ما بأنها جيدة وكتابة أخرى بأنها رديئة.

لم تتوقف مشكلة صعوبة التصنيف عند هذا الحد، ولكن الظريف في موضوع غربلة الكتابة والكُتّاب المطروح على الساحة في اللحظة الراهنة، أن بعض أصحاب الكتابات المتواضعة (ولا أقول التافهة) معجبون بفكرة الغربلة بشدة، فهم يرون أنفسهم من أصحاب المشاريع الأدبية الجادة، وأنهم هم الذين سيبقون متصدرين الساحة الأدبية، غير عابئين فعليًا بما ستؤول إليه فكرة الغربلة من مستجدات.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة