التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

من هُنا تمُر الأحلام

كتبت: إيناس التركي

لم يراها أحد بوضوح قبل أن تتحول لشجرة. لا يذكر أحد ملامحها بتفاصيل محددة، ولا يستطيع أي شخص أن يصفها بصورة قاطعة. فقط يذكرون جلستها تلك عند المنحدر الواقع في طرف القرية. يتوجه لها من لديه بذور سر، يلقيها في صدرها حيث تختبئ الكلمات براعم منغلقة على ذاتها، لا يدري أحد لونها حتى صاحبها. يلجأ لها كل من له حلم، يسر لها به كبئر أمنيات. يلقي أمنيته وهو يشتهي الارتواء، عاجزًا عن رؤية أي شيء عدا التماع القاع ببريق أمنيات أخرى ألقاها عابرون من قبل فحجبت تشققات الجوف المجدب. البعض الآخر عاملها معاملة قواقع البحر. يهمسون لها بآلامهم، وفي المقابل يشتهون أن تهمس لهم بوشوشات الموج تهدهد الروح المنهكة قبل أن يلقونها لليم يحملها بعيدًا مرة أخرى وقد حملوها كل أوجاعهم. حملت ثقل أرواح القرية بأسرها صليبًا فوق ظهرها. تكاثرت عليها الحمول مع كل عابر جديد يدق همه مساميرًا في كفيها وكل دمعة تضاف شوكة في الإكليل على جبينها.

في يوم لا يذكرونه بالتحديد وجدوا جدولا صغيرًا يجري قادمًا من ناحية المنحدر حيث مجلسها. ذهبوا فوجدوها وقد سالت عيناها التي لا يذكر أحد ماذا كان لونها. لم تكن تسيل الدموع من العينين، بل سالت العينان نفسهما نهرًا يجري باندفاع وعنفوان. رفعت رأسها لسماء زرقاء وقد انفتح الفم عن آخره، وتصاعدت منه بتلات جافة رقيقة حالت ألوانها. تطايرت كأجنحة فراشات هشة واستقرت على رؤوسهم وعلى الأرض من حولهم. تصارعت نغمات قلبها الحبيسة داخل صدرها وهي تحاول ترتيب لحنها. فردت ذراعيها عن آخرهما تحتضن العالم بأسره وهي تدور حول نفسها بسرعة تتزايد وفوقها في السماء يدور سرب من حمام. خلق دورانهما المشترك دوامة تزايدت قوتها وسرعتها. انفتح قفص صدرها وطار من عش القلب سرب عصافيردوري رفرفت حول رأسها. ارتفعت الطيور، ترتقي السلم الموسيقي الذي التف حلزونيًا حتى اختفى في الأفق وكل منها تحمل بداخلها نغمتها وحكايتها. استحال جذعها لجذع خشبي، وشيئًا فشيئًا استطالت أصابع قدميها الحافيتين وسط التراب. تفرعت أصابع القدمين وتوغلت مخترقة التربة حتى صارت جذورًا. وجهها المرفوع تجاه الزرقة بالأعلى حجبته خصلات شعرها المتطايرة التي تحولت تدريجيًا للون الأخضر. كانت هذه أخر صورة لها انطبعت في أعينهم واحتضنها إطار الذاكرة.

يحجون فرادى للشاطيء الجديد، يرتكنون على جذع شجرة الصفصاف عند حافة المنحدر، ويفرغون صدورهم. يربط كل منهم شريطًا ملونًا بلون حاجته أو حلمه في خصلاتها الخضراء. صار لها شرائط كثيرة ثبتها زوارها في خصلاتها التي تتدلى وتتمايل مع كل نسمة ريح وكل زفرة هم أو عشق. مع كل شريط حكاية، وكل حكاية أمنية وحلم. أتاها يومًا وفي يده شريط قرمزي بلون الدم. عقد الشريط حول خصلة طويلة من خصلاتها تدلت تداعب سطح الماء، ثم أسند جبهته على جذعها وقد أغمض عينيه. حدثها القلب المضنى: “كلمة الحر وعد، وقد أوفيت وسددت حتى صرت لعينيها عبدًا. ونظرة الحسناء وعد، لكن عينيها كانتا بعمق محيط وبلون الغرق.” مغمض العينين مازال، شعر بطرف فرع من فروعها يمتد بداخل القلب، يمسه بأنامله برقة ويمسده بحنان. أودعت الأنامل في الفؤاد بذرة. أينعت زهرة حمراء لها قلب ما بين التفتح والانغلاق، كشفاه تهمس بسر يكاد يطرق السمع لكن لا يبين. احتضن قلب الوردة وريقات رقيقة لها نفس الحمرة وقد أحاطت به لا مثل سور متصل، لكن كمتاهات صغيرة يلزمها من يعرف كيف يناورها حتى يصل عبرها للقلب. شم أنفه عبير الورد ففتح عينيه وقام وقد تخفف من حمول أثقلته، وقبل الرحيل لاحظ تحول شريطه من القرمزي الداكن لحمرة زاهية مبهجة.

في اليوم التالي زارها الصغير وقد تأبط وحدته، يسيران معًا رفيقا درب متلازمين. فتح كفه عن شريط بزرقة ملاح ضل طريقه عبر البحار السبعة. ربط الشريط في طرف فرع رقيق ثم  جلس وقد أولاها ظهره، مستندًا على الجذع مواجهًا للماء الجاري أسفل المنحدر. سرح في الأفق وهو يحكي بتنهيدة. “يقولون إنك أنيسة من لا أنيس له، وجليسة من ليس له جليس سوى الوحشة. لا أب لي ولا أم، فهل تتخذينني ابنًا لك؟” أحس الصغير بأفرع رقيقة تحيطه من الخلف محتضنة إياه. أغمض عينيه وسبحت نظرته للداخل وهو يشعر بقلبه يفيض بالزرقة اللامتناهية. امتلأ قلبه حد الأفق ببراح البحر والسماء وصفائهما. شعر بروحه تحلق بخفة واللون الأزرق يلطف ويسكن ويحتضن. نهض واستدار ليحتضن بدوره الجذع الخشبي، وفي قيامه لمح شريطه يرفرف مع النسيم كجناحي عصفور وقد فاضت زرقة قلبه لتحتضن زرقة الشريط ويصير الكل امتدادًا للأفق.

في اليوم الذي زارتها فيه صاحبة الشريط الأبيض، حرص باقي أهل القرية على الإبتعاد. كان وجودها كفيلاً بإبعاد الناس من حولها لمسافة عدة أمتار. يهابون تقلباتها ويعجزون عن فهمها. مشاعرها الفوضوية ومزاجها المتقلب مثل إشارة مرور تبدل ألوانها كل حين. كان من حولها كسيارات حائرة لا تدري هل تتقدم أم عليها الانتظار. ومن يقوم بكسر الإشارة بثبات، يدهسه مرور مشاعرها بكل فوضاه دون هوادة. أحاسيسها بداخلها تتكسر عاتية كأمواج هادرة، بينما الملامح جامدة لا تشي بالطوفان المحتبس داخل القلب كحائط صد الموج عند البحر. عقدت شريطها بلون الثلج على الفرع وهي تزفر بحرقة. كلمة واحدة أفلتت بحرارة من أعماق روحها: “تعبت”. قالتها وهي تقف لا تدري أتجلس قليلا أم تنصرف. سمعت حفيف الأوراق يغني لضنى الروح تهويدة. شريطها الأبيض تمايل في رقصة صغيرة مع الأفرع المتراقصة قبل أن يتوهج بياضه ويتفجر قوس قزح يحتضنها ببهجة اللون الزاهي. تمايلت هي الأخرى متراقصة تنفض عنها ملحًا كثيرًا بينما دموع عذبة تسيل من حدقتيها.

في صباح يوم لا يتذكرونه تحديدًا هو الآخر، استيقظوا على سماء القرية تحجب زرقتها أسراب عصافير ملونة. كانت كثافة السرب تزداد كلما اقتربوا ناحية المنحدر. وجدوا الماء أيضًا يغص بالكثير من الأسماك الملونة، تتقافز فتبلل قطرات الماء كل من وقف قرب الشاطيء. لدهشة الجميع، لم يجدوا شجرة الصفصاف في مكانها. فقط كانت ألوان كل الأشرطة التي ربطوها من قبل في خصلاتها تتراقص أمام أعينهم في الماء وتتطاير فوقهم في الجو. انسابت أحلام القرية وأمانيها بأكملها مع الماء الجاري والنسيم العابر. بعدها صار كل من يمر هناك من القرى المحيطة يبطئ من خطاه ويشير لمن لا يعرف الحكاية بعد قائلاً: تمن أمنية، “فمن هُنا تمُر الأحلام.”

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى