التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

حجرة الدرس

قصة: نضال ممدوح

لم يكن هناك أرجوحات أو ألعاب وحلوى، لم توجد أقلام أو كراسات كتب وألوان، لم يكن هناك موسيقى وغناء مرح وصيحات طفلية، لم يكن هناك مُقل متلالئة بالفرح ولا شفاه باسمة تفتر عن لؤلؤ نضيد -بل بقايا أسنان خربة نخرها السوس وقلة الطعام! ولا وجوه موفورة بالصحة والعافية “تبك” دم، لم توجد شعور لامعة أو جدائل ذهبية بشرائط ملونة صفراء.. حمراء.. خضراء وزرقاء، ولا أحذية منمنمة أربطتها محكمة وجواربها ناصعة البياض، وبدلاً من الأردية الرقراقة النظيفة خِرق مُهلهلة متسخة مبقعة بلطخات من زيت شطائر الفول والطعمية.

حجرة الدرس تضيق وتخنق تلاميذها –الستون- تكتم أنفاسهم فتنبعث روائح كريهة حادة.

حجرة الدرس المليئة بالشرات المتأّكلة الارضية، وحيطان شاخت ألوانها تساقط جيرها الذي قاموا بطلائه بدل من الزيت الحائل لونه.

حجرة الدرس غارقة في الرطوبة والظلمة تنضح حيطانها بالرطوبة والماء المالح، على جدرانها شخابيط ورسومات عشوائية للصغار: دوائر مربعات مثلثات، خطوط منعرجة وأقواس متخثرة بعرقهم.

بحجرة الدرس مصباح كابي يمتد منه خيط ضوء شاحب يطن من حوله الهوام والذباب -الذي يرمد عيون الصغار- يكشف عن أطفال تخاصمهم الحياة مدونون خطأ في سجل الأحياء يتشكلون من صهد.

في طوابير الصباح يغرقون بأناشيد حماسية ومارشات موسيقى عسكرية ويحيون علمًا مُمزق الحواف فوق سارية مُنكسة محطمة تمتص منهم شهد رحيق الحياة، يسعلون من رئات مسلولة تفضح أعضائهم المنكمشة المكدودة وأصابعهم النحيلة الضامرة، تفضح أشباح الهياكل المريضة وظلالها السقيمة العليلة.

في حجرة الدرس كانت هناك نظرات زائغة لعيون غائرة تظللها سحابات يتم.

في حجرة الدرس كان هناك وجنات منطفئة وعظام ضلوع بارزة فقراتها.

في حجرة الدرس صبايا متسخات يرحت ويجئن بضفائرهن القصيرة النحيلة وجسوم فقيرة مقفرة، حالهم كحال أطفال العالم الثالث والوطن العربى المصابون بأمراض سوء التغذية وسوء الحظ لوقوعهم قرب خط الاستواء وتحت خط الفقر.

يطيلون التحديق في يدقون وشمهم برأسي فيهم توسل ورجاء وأسأل بيني وبين نفسي: كم ليلة يقضونها جوعى ظمأى يلتحفون سماء عارية؟ أيولد من أصلابكم من ينفخ في الرماد فتبعث العنقاء، يستولد النار من أضلع المستحيل؟ أيجيئ أحدكم برجاء في غد تنتصب فيه النخلات وترتفع شواشيها بعدما ظلت -طويلاً- منكسة في الأرض؟

وتظل أستفهاماتي مُعلقة بسقف الحجرة بلا جواب.

تك.. تك.. تك يا أم سليمان..

تك.. تك.. تك جوزك فين كان..

تك.. تك.. كان بالحقلى..

عم يقطف خوخ ورمان

تجتذبهم النغمات الفيروزية يسيطر على صخبهم: كان يا ماكان أميرة سجينة خلف سبع بحور أسرها التنين الذي يفح اللهب من أنفه يرده الجدار لجدار داخل مغارة بقصره المرصود مسيجة شرفاته وعالية.. عالية يقوم على حراستها الثور الأحمر الناري..

تقص عليهم ما كان من خبر قطيع الذئاب مع الحملان تحكي لهم أن الشياه لا تكون بغير ذئاب!!

تتجاوز حاجز اللغة المستهلكة ينصتون إليها وللتو تكسب صداقتهم وحبهم، تأسرهم بأقاصيصها وسحر حكاياها، يقسمون على عهد -غير مكتوب- بينهم بالألفة والمودة..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى