التخطي إلى شريط الأدوات
روايةمشاركات أدبية

فصل من رواية “روح”

كتبت: آية هلال

نفحات روح

(10)

عشق الوجود متلازمة ترهقها..

تبغض غيابه إذا طال

وتعشق حضوره إذا أتى

وهي بين الحالتين تحاول أن تنسجم مع العذاب

لم تكن من عادته محادثتها ليلاً..

هو لم يكن يطيل في الثرثرة.. بل يعدد لها مشاهد من حياته في صورة مقالات.. يهديها إليها كي تزخرفها باسمها وتنشرها في المجلة..

يزين حياتها بما يحمله من آفاق مختلفة ومدارك واسعة.. وحلول كلها مفيدة بلا شك!

اطفأت مصباح غرفة المعيشة وصعدت الدرج متخذة من (مج) القهوة صديقًا، اطمأنت على الصغيرين، كالملائكة يغطون في سبات عميق.. تتراقص الأحلام من فوق رأسيهما، طبعت قبلة على رأس كليهما وأحكمت الغطاء، ثم حجبت تسلل الهواء المخترق فوارق النافذة بستارٍ ثقيل، ألقت تحية مساء حنونة وانصرفت.

البرد يخترق جسدها فتجمدت أطرافها.. هربت الدموية منها ولطخت أناملها ببقع الشتاء الزرقاء.. أطلقت شَعرها ليدفئ رأسها بعفوية واحتضنت (مج) القهوة حتى استنفدت حرارته كاملة.. ذهبت مترددة إلى غرفتها.. ففي مثل ذلك الطقس كانت تقضي وقتًا لا ينسى داخل معطفه على شاطئ البحر.. تدفئهما النيران التي يشعلها كي تأنس برد الليل القارس المحبب لديها..

لن تنسى المرأة ذكرياتها التي خطتها بيدها بسهولة..

نظرت إلى هاتفها، للمرة المائة (لا توجد إشارة)

كل الهواتف مُعطلة..

لا شيء سوى الرياح وضجيجها الذي بات لحنًا وما لبث أن صار نشازًا..

أُنهكت قدماها من السير داخل المنزل.. قررت الاستسلام إلى النوم كي يهزم أملها في تغير روتين الليلة وكل ليلة.. وعندما صعدت تحتمي بالفراش، سمعت خطوات خائفة تخطو ببطء في الخارج..

تيقظت حواسها وهتف قلبها باسم الصغيرين..

وعندما حاولت الخروج لاسكتشاف الأمر استنشقت عطرًا جعل يدها تتوقف عن جذب مقبض الباب، عاجلها الآخر وفتح باب الغرفة كي ينهي لحظات الخوف السابقة بشعور جديد لم تلبث أن شعرته..

رأته واقفًا يتجمد من البرد، لم تفعل شيئًا سوى النظر إليه وهو يرتعد ويهمس:

جئتك أتلمس منك عذرًا عما بدر مني صباح أمس في البلدة المجاورة، عذرًا.. صباح أمس منذ ثلاث سنوات..

اقتحام.. أعرف أنه يجب عليك أن تصرخي الآن.. أو أن تقعي أسيرة داخل أحضاني وكفى..

تعذب القلب، ذلك الجفاء يعادل عقودًا لم أقوَ على حصرها..

البحر يناديكِ.. والدفء يحاول خلق أعذارٍ لعودتك..

إنني أرتعد شوقًا إليه عزيزتي

مد يده مترددًا..

– أتسمحين؟..!

– حسنًا.. سألقي نظرة على طفلاي وسأذهب في سلام.. لن ترفضي بالطبع؟!

– بالله عليكي أجيبيني.. أتيت لسماع صوتك فقط.. اختفت الشبكات وقتلت الرياح الحياة بالخارج وجمد البرد الطرق.. ورغم هذا أتيتك راجيًا.. ألن يلين قلبك في مثل هذه الظروف؟ ألن تشفقي عليّ حتى؟

لملم شتات أفكاره وهم بغلق معطفه واستدار خائبًا فعاجلته بجذب معطفه من الخلف هامسة..

– إبق للصباح..

استدار وعيناه تلمعان فرحًا

– لكن بغرفة أبنائك..

حاول بلع ريقه الذي هرب طوعًا في ألم واستدار ثانيةً إلى الخارج..

تسمرت وحاولت منع قلبها من ثورة دقاته وهي تقول..

سامحتك منذ وصول عطرك إلي أنفي قبل أن أراك..

حاولت إضافة اسم مستعار له لكنه أبى.. وطلب منها أن تنسب كتاباته لها..

صدمها عندما صرح بأن هذا المشهد حقيقي.. وبأنّ لديه زوجة وأبناء..

كل شيء جائز في الحياة.. هكذا كان جوابها..

– بتغيري؟

– أكيد لأ

–  ليه غيرتي أسلوبك في الكلام؟

– ماغيرتش

– بحب استفز كلماتك..

لم تأخذ من الوقت عشر دقائق ثم أسترسلت..

– بعض الألحان ترهق الأُذن أحيانًا..

قالها وهو يدرس تفاصيل وجهها، مقارنةً بما مضى، هي لم تكن أروع من ذلك.. لكن المواقف دائمًا ما تضيف رتوشًا ملونة بسبب تأثيرها في نفوسنا..

عاود حديثه وهو يلقي لها بالًا بمظهر غير مهتم..

– لعل وجود آلات الأوتار يثقل على النغم.. فانسيابية البيانو تجعل من الصعب على الأوتار أن تؤلم سيالات العاطفة في النفس..

نظر ناحية جليسته مترققًا..

– أليس كذلك؟!

مالت الأخيرة بدلال مبالغ فيه وهي تثنى عليه مقولته ماسحة على شعره مؤكدة

– بالطبع

أنهكت قواها من كثرة تصلبها وتجمد عضلات وجهها لتظهر بمظهر لا مبالٍ..

ضعفت أنفاسها لبرهة ثم أخذت شهيقًا متشبثًا بالحياة بإرادة الجسد لا الروح وهي تعتدل في جلستها..

اعتصر قلبها ولم يتبقّ به مكانٌ واحدٌ لاستقبال أية طعنات يوجهها لها، إضافة إلى وجود تلك اللزوجة تتربع على عرشها المرسوم خصيصًا لها في عالم موازٍ..

أخذ يهمهم ببرود ثم وجه نظره إليها ما جعلها لا إراديًا تنظر ولمعة عينيها تسبقها معلنةً عن حجبها لسيلٍ من دموع الهوان الجارفة، وانتشلها من تفكيرها ساخرًا

– بالطبع، تعرفين كم نود لو عزفتِ لنا مقطوعة تبيدنا حزنًا، كعادتك..

نالت سخريته من دموعها بينما ضحكت فتاته الحمقاء أما كبرياؤها فانتفض عازفًا مقطوعة الحياة تئن..

سبحت أصابعها فوق البيانو بينما انتبه الحضور جميعًا لها.. وبين اللحن والآخر كانت تعطيه نبذة عن تمسكها بألمها مترجمة عدوانه بعنفوان قلبها وبراءة مقليتها..

– منذ متى تتصرفين بتعقل حين يكون طيفه حاضرًا؟

– هكذا يراضيها عقلها عندما تفكر بأنها بالغت في رد فعلها تجاهه

– لعن الله الغيرة وفرحة الرجال عند خلقها..

انتظر ساعةً كاملة ليرد عليها بـ:

– أنا لستُ سوى طيف.. إذا مددت يدك لتلمسيه تلاشى.. تصبحين على خير!

#خاطرة..

لماذا تبكين الآن؟!

ألم تكن سعادته هي غايتك

حتى لو لم تكن معك

حتى إن كانت مع غيرك !

كوني سعيدة لأجله..

لأجل تحقيق غايتك

على الأقل..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى