التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

هل نال نجيب محفوظ أكثر مما يستحق؟

كتب: روبير الفارس

من الذي صنع قداسة نجيب محفوظ؟ الإعلام الذي وجد ضالته في أول كاتب عربي يحصل على أكبر وأهم جائزة أدبية عالمية؟! أم دراويشه الذين أرداو الاستفادة من شهرته وبتواضعه الجم والعجيب عن مجتمع الكتب، رحب الرجل بالجميع فدخلوا تحت عباءته واندسو في رحاب تلاميذه، أم غزارة إنتاجه المُدهش التي تستفز أى كاتب لا يستطيع أن يقدم هذا الإنتاج الجيد على مستوى الكم والكيف في نفس الوقت؟ أسئلة تنتمي إلى عالم النميمة لا تخلو من حقد وكراهية. تتردد في الخفاء والصدور خاصةً أننا في مجتمع يعشق صناعة الأصنام وتقسيم البشر إلى أبيض وأسود في ظل أننا كبشر أقرب للحياة الرمادية حيث لا قداسة لأحد ولا ثنائية مرعبة مدمرة كثنائية جورج بوش (مع أو ضد) بل الأفضل أن نحيا في تنوع في إطار إنساني وليس مخططين بلونين.

ولكي نجيب عليها من المؤكد أننا ندخل عش الدباببير، فعلى مستوى السيرة الذاتية لم يصنع نجيب محفوظ أى قداسة حول سيرته الخاصة بل إن اعترافاته التي سجلها الكاتب الكبير رجاء النقاش تُعد في رأي من أجرأ ما نُشر من اعترافات. لقد تحدث الرجل بجراءة لم نعهدها ولا تدخل في إطار شخص يريد أن يقدسه أحد أو يطبل له الإعلام ليلاً ونهارًا، ومن ذلك اعترافه بأنه “كان يدخل بيوت الدعارة السرية والعلنية”.

ولم تكن مثل اعترافات محفوظ أقل جرأة مما جاء في أعماله الأدبية، حيث اعترف أكثر من مرة بأن شخصية كمال عبدالجواد هي ترجمة لشخصيته في الواقع.. فقد كان مُدمنًا للحشيش ومرافقًا لكثير من النساء في شبابه، بل خشى على نفسه من الإصابة بالأمراض السرية نتيجة مغامراته العاطفية المتعددة.

ويعترف نجيب محفوظ في رسالة إلى أحد أصدقائه عن سر رهيب من أسرار حياته، يقول فيها “لقد عرفت هذا الصيف أديبًا شابًا موهوبًا ولطيفًا معًا، ولهذا الأديب عوامة نقضي فيها نصف الليل ما بين الحشيش والأنس.. وانقلب أخوك شيئاً آخر، بل علمني البوكر سامحه الله فغدوت مقامرًا، وليس بيني وبين دكتور الأمراض التناسلية إلا خطوة، فانظر كيف يتدهور الأديب على آخر الزمن.. وفي هذه اللحظة التي أكاتبك فيها يعثرون على القنابل في القاهرة كالتراب، خصوصًا بعد حادث سينما مترو.. بل تصور أنه انفجرت منذ أسبوعين قنبلة في شارعنا، وعلى بُعد عشرين مترًا من بيتنا، وكان من نتائج ذلك أني بطلت حفظ الحشيش في البيت خوفًا من التفتيش”.

هل هذا كاتب يحافظ على صورة القديس. لقد كان نجيب يجلس في مقهى عام ويحكي عن مغامراته. فأين هذه القداسة المزعومة؟

الكاتب المُهادن

ألصق البعض صفة الكاتب المُهادن بنجيب محفوظ، فمن الذي كان أول من انتقد نظام ناصر وفضح فساد الاتحاد الاشتراكي الذي كان مُقدس عند كثيرين في ميرامار؟ ألم تتنبأ ثرثرة فوق النيل بالنكسة بصورة واضحة وقدم إدانة لنظام يغرق في الغيبوبة وشعب هارب من الوعي. ألا يُعد قتل الفلاحة إدانة لحالة التجريف سواء على المستوى المادي -حيث تحولت مصر الزراعية إلى صناعية ورقصت بين الطريقين فضاعت- أو على مستوى التجريف الفكري والثقافي، وطبعًا لعجز القادة. ثم هل مطلوب من الأديب أن يكون ذو موقف سياسي واضح؟ هل أعلن نجيب أنه كاتب سياسي أم أديب؟ وهل عَبر في أدابه عن إدانته للديكتاتوريات والقهر والقمع أم دافع عنها؟ لقد كتب الرجل بقلمه عن الحريات بجراءة عَرضت حياته للخطر.. فهل الكاتب مُهادن الذي يقف ضد سلطات القهر الديني في أولاد حارتنا والقهر السياسي في الكرنك.. ألم يُدين الانفتاح الاقتصادي المُزري في أهل القمة؟

ومع ذلك، فإن نجيب محفوظ قَدَّم أرائه  السياسية في عدد من الزعماء في كتابه (أمام العرش). ويبقى سؤال مهم.! هل احتفى النقاد بكل ما كتب نجيب؟ أي شاركوا بتدليس في صناعته كقديس أم انتقدوا كتابته بأدوات نقدية ككاتب يقدم إنتاج لا ككاتب حاصل على نوبل.. وبالتالي كل ما كتبه فهو مُقدس ومُكرم وعظيم ومهم. لا نستطيع أن نُجزِم أن النقاد شاركو في هذه الحفلة خاصةً أن هناك أقلام عديدة وقفت وتكلمت بحياد وقَيمت هذه الأعمال، بل هناك من نصابه العداء بشكل مستمر. فهناك دراسات نقدية عديدة انتقدت صورة المراة في أدب نجيب محفوظ وهناك من اعتبره ضد المراة، حيث هوجم كثيرًا لتقديمه المراة في صورة العاهرة، من ذلك على سبيل المثال فقط (شخصية المرأة في روايات محفوظ تدور غالبًا في اطارين: المغلوبة والمقموعة من أسرتها، أو الغانية اللعوب.

بقلم: ماجدولين الرفاعي “وكتاب “المرأة في أدب نجيب محفوظ” للدكتورة فوزية العشماوي وقد ناقشت هذه القضايا والرد عليها مكتبة الأسرة 2005، وكتاب دكتور طه وادي “صورة المرأة في الرواية العربية” وغيرها.. وهناك نقاد محترمون قدموا رؤيا موضوعية لنجيب محفوظ وأدبه بين الأعمال الجيدة والأعمال الرديئة فالناقد “مصطفى بيومي” يرى أن رواية “الكرنك” ليست رواية بل ريبورتاج صحفي رديء وفي نفس الوقت رأى أن رواية  “قلب الليل” عمل يريد أن يوصل فكر بلا فن و”الباقي من الزمن ساعة” عمل ركيك ورديء جدًا. على المقابل هناك أعمال مُبهرة مثل الحرافيش وأولاد حارتنا (طلقة إعادة إنتاج تاريخ البشرية).

كما ناصب عدد من الكتاب الأصوليين المتشددين العداء لنجيب وكتبوا كُتب ودراسات ومقالات ضد أولاد حارتنا لا ترقى لمستوى النقد ولكنها طعن مباشر في الرجل أدى إلى طعنه في رقبته بعد ذلك. ومن ذلك كتاب (كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا) للشيخ عبد الحميد كشك ذو الجماهيرية الطاغية.

الشللية

يُتَهم أيضًا نجيب محفوظ بأنه مؤسس الشليلة في مجال الأدب وهي تهمة باطلة أيضًا.. ألم يكن لطه حسين شلة أدبية، أذكر منها فقط الدكتورة سهير القلماوي وغيرهم ممن قدم لهم كتب على سبيل المجاملة ولا يذكرهم أحد الآن. وهل لم يقدم يوسف إدريس مجموعة من كُتَّاب القصة القصيرة على أنهم تلاميذه وتنبأ لهم بمستقبل عظيم في هذا المجال، ولم نسمع بهم أو عن وجودهم، وكان من بينهم أحد أقربائه.. فهي ظاهرة عامة تحتاج إلى دراسة مستقلة ترصد أسماء من تم تقديمهم على الساحة من كُتَّاب كبار ثم انذوى كبخار، بل يُحسب لنجيب أنه لم يكتب مقدمة لكاتب نحاسبه عليه، وأخيرًا أرى أن نجيب محفوظ لم ينال ما يستحق من تكريم والتكريم الذي أقصده أن تُقرأ أعماله لاكتشاف الأبعاد الفلسفية البديعة فيها.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى