التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: نهلة كرم

الكاتبة نهلة كرم
نهلة كرم

حين كنت صغيرة، كانت والدتي تضع لي باروكة سوداء على باب الحمام أوعلى أبواب الغرف التي لا تريدني أن ادخلها، كانت تلك الباروكة بالنسبة لي شبح يرعبني، ويكفي أن تكون موجودة على أحد الأبواب حتى لا أفكر بدخولها.. كنت أقف بعيدًا فحسب وأحلم بتخطي هذا الشبح يومًا.

كبرت وتخطيت تلك الباروكة، لكني اكتشفت أنها لم تكن شيئًا مقارنة بتلك البواريك الأخرى التي وضعت في طريقي بعد أن كبرت، وعلىَ تخطيها بنفسي لأنني لن أجد من يزيلها من أمامي كما كانت تفعل والدتي.

كانت هناك باروكة على شكل قهر وإجبار على أشياء لا أريدها، وواحدة على شكل فراق، وثانية على شكل خذلان، وأخرى على شكل إفلاس، لكن يبقى الموت هو أقسى باروكة وضعت أمامي على الإطلاق.

لم يكن لديَ سوى دموع أواجه بها هذه الشياء كلها..وكتابة، لم يكن بمقدور الدموع أن تمنحني بملحها سوى مزيد من الألم السائل فوق جلدي، بينما بقت الكتابة لتمنحني كل شيء، قلت لا عبر الكتابة على أشياء كثيرة أرغمت عليها حتى أستطعت أن أقولها ذات يوم صراحة “لا”، بعد أن منحتني الكتابة قوة لتخطي القهر.

كاد فراق أحدهم أن يودي بي في طريق لا رجعة منه، لولا أني أمسكت بورقة وقلم وقررت أن أكتب، فتحول الفراق إلى كلمات موصولة عبرت فوقها وتخطيته وترسبت تلك العلاقة في الذاكرة، والآن استرجعها فقط لابتسم وأتذكر فضل الكتابة عليَ.

أنقذتني الكتابة يومًا ما أيضًا من نفسي، حين فكرت في طرق شريرة جدًا للانتقام من خذلان أحدهم، لم تكن تلك الطرق لتؤذيه في شيء، لكنها كانت ستؤذيني وحدي وتترك آثرًا لا يمكنه التسرب في الذاكرة، واستدعائه منها للابتسام، لكنه كان سيتسرب في الروح ليسممها ويسد نوافذها، حتى تصبح سوداء تمامًا، لم أكن قادرة على العيش بهذا السواد، وجاءت الكتابة لتمنحني نجاة من أفكاري، والآن وأنا استدعي هذا الخذلان استطيع أن ابتسم، لكني امنح الكتابة ابتسامتي كلها.

ربما جملة القناعة كنز لايفنى لا تشبع جوعى، لكني مقتنعة تمامًا أن الكتابة بالنسبة لي كانت هذا الكنز حين كنت مفلسة تمامًا، لم يكن لدي مصدر للدخل، لكن كان لدي قلم وورقة يمكنني بها أن أكون أغنى شخص في العالم، من يكتب يعرف هذا الشعور بعد كتابة نص، بالنسبة لي أتخيلني واقفة في صحراء عطشى وخائفة في الليل، وفجأة يطلع النهار وتبدأ السماء تسقط نداها على شفاهي، لا يمكنني أن أريد أكثر من هذا، حتى ولو لم يكن معي أكثر من ثمن جريدة اشتريها لأن هناك بداخلها شيء لي كتبته وفوقه اسمي.

الموت.. ما الذي كان بإمكاني فعله أمام هذا الشيء الذي اتخيله دومًا هيكل عظمي تغطيه باروكة سوداء طويلة، يأتي ليأخذ أقرب الناس منا، من هم عمودنا الفقري، يأخذهم واحدًا واحدًا فيقسم ظهرنا ويجبرنا على الانحناء للحزن من بعدهم، انحنى ظهري مرتين في سنة واحدة بموت جدتي وخالتي، وبعد ذلك بعام انقسم ظهري تمامًا بموت أبي، وأدركت أنني لا أستطيع فرده مرة ثانية، لكن كل ما أستطيع فعله أن أكتب وأنا منحنية هكذا حتى تمنعني الكتابة من السقوط على الأرض والانكسار تمامًا.

ربما ليس لدي عضلات أواجه بها هذا العالم الذي لا يتوقف ولن يتوقف عن أن يقذف لي ببواريكه، لكن لديَ كتابة تساعدني على تخطي كل باروكة سوداء توضع في طريقي.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة