التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أحمد إبراهيم الشريف

الكاتب أحمد إبراهيم
أحمد إبراهيم

ذات يوم وقف الكاتب الفرنسي “لوكليزي” محاولاً الإجابة عن سؤال لماذا أكتب؟ وتحدث في إجابته عن الحرب والطفولة والسفر والحب وأشياءٍ كثيرة.. كان ذلك في خطابه 2008 في كلمته المتعلقة بحصوله على جائزة نوبل.. وتساءلت كيف يعرف الكُتّاب الكبار الإجابة عن هذا السؤال؟ ومع الوقت وجدت السؤال مُلحًّا ويتجاوز فكرة “الفذلكة” أو “الأدعاء” وحتى “حجم الكتابة التي أنتجها الواحد منا” هو سؤال هوية يشبه أن يسألك أحدهم: من أين أنت؟ كما أنني وجدت أن الإجابة عنه ليست بالسهولة المتوقعة لأنها تتغير حسب الحالة الكتابية والحالة النفسية والإيمان بما تفعله والحب والكراهية والنجاح والإخفاق، لذا سألت نفسي: لماذا أكتب الآن؟

عادةً أكتب على ورقةٍ بيضاء بعض الإجابات، فأقول: أكتب لأني أحب الكتابة.. أكتب لأني لا أجيد التّعبير عن ذاتي إلا بوضعها على صفحة بيضاء أعرف مقاييسها.. أكتب لأن الذي أكتبه لن يستطيع غيري أن يُعبّر عنه.. أكتب لأن هذا دوري في الحياة.. أكتب لأنني ذات يوم كتبت شيئا ورآه البعض جيدًا.. أكتب لأني حزين وأبحث عن بعض الفرح.. أكتب لأنني غير اجتماعي بما يكفي فأسعى لأصنع عالمًا أظهر فيه وأختفي وقتما أحب.. وأنتهز فيه الفرص وأُضيّعها كما أشاء.. أكتب لأن الحياة لا تسير معي كما أريدها.. لذا أكتب عن آخرين وأحاول أن أجعل حياتهم “أسهل” وإن كنت قد وجدت ذلك صعبًا ولا يمكن تحقيقه بسهولة وسيصنع تفاوتًا ملحوظًا في العلاقات المشكّلة للعالم، لأن العالم “السهل” سوف يقضي على فكرة “القاهر والمقهور” وحينها ستصبح حياتنا بلا إثارة، لذا تصالحت مع الله ولم أعد أتّهمُه بالقسوة معي، فصناعة عالم سعيد “صعبة جدا”.. أكتب لأنني لم أجد شيئا آخر أفعله.. أكتب لأنني أتأملني من جديد في كل صفحة جديدة.. أكتب لأن امرأة أعرفها تحب الكتابة.. هذه بعض الإجابات التي أُردّد بعضها كل حين حسب “حالتي المزاجيّة”.. وفي الحقيقة هي بعض وليس كل.. فأنا أكتب لأصنع أحلامًا ولأتذكّر ولكوني خائفًا.

والخوف لا يعني خشية الفقر فالكتابة خاصّةً الأدبية لن تأتي بعائدٍ إلا لـ “الموعودين” ولن أختبئ من المرض لأنه بالضرورة كامنٌ في داخلي منذ صباي سيظهر في وقته، ولا خوف “أنظمةٍ مستبدةٍ” لأنها، أصلاً، لا تعرف قيمة الكتابة، لكنّني أكتب خوف “الوحدة” وأن أموت دون أن أفكر في رفيق لي ود لو ظهر في إحدى حكاياتي، لذا سنموت معًا وأنا أفكر في”حل” لكيفية ظهوره دون خلل في أحداث الرواية، ربما سأجعله يمر في مُفْتَتَحِ الرواية “مبتسمًا” ويحدث باقي الشخصيات بأنه ذاهب لملاقاتي على المقهى ويقول: حتى لا أتركه وحيدًا.

أكتب لأتذكّر، فأنا إبن المكان، إبن قريةٍ صغيرةٍ في الصّعيد الفقير التي كُلما ذهبت إليها وجدتها تغيرت وأكلها النهر، والناس لا يكترِثون، أحدث أصدقائي عن مواطن قديمة “هي نحن” فلا يتذكرونها، مرّ النهر عليها وعلى أرواحهم، يُخبرك الواحد فيهم أنه أحضر لإبنه إبن العامين “آي باد” يلعب عليه ويُحطمه بدلاً من أن يُكسّر “أي فون أمه” أحكي له عن ذكريات قديمة: فيقول لك: ربّنا لا يعيدها يا أخي.. لذا أكتب لأتذكّر أنا وربما يأتي جيل من بعدي فيقول: كانت سنوات جميلة وزمن جميل.

أكتب لأصنع “أحلامًا” لإبنتي الصغيرة التي فاجأني “خيالها” المستعّد لتقبُّل الأحلام وصناعتها، وأخشى ألا يمنحها الواقع المحيط بها القدر من الأحلام الذي “يرضيها” لذا سأكتبه لها ذات يوم، وبالمرة سأصنع حلمًا لي يكفيني أعيش فيه وربما نتشارك معًا أنا وهي.

ورغم ذلك لن يتوقف السؤال عن طرح نفسه علي طوال الوقت كلما همِمْتُ بالشّروع في الكتابة، قبل البداية في شيء جديد وحتى بعد الإنتهاء منه، وبالتالي ستتغيّر إجابتي حسب “لون الكلام”.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى