التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أحمد متاريك

الكاتب أحمد متاريك
أحمد متاريك

لماذا أكتب؟

اكتب لأنني لا احتمل الحقيقة وحدي

عبارة قرأتُها يومًا منسوبة لأورهان باموك، الكاتب التركي المشاغب والحائز على جائزة نوبل للآداب، وعلى قدر كرهي للإجابة كرهتُ السؤال ذاته، ما بين رفضي المُطلق للأسئلة العبثية التي لا طائل منها وبين ادعاء أحدهم امتلاك الحقيقة الكاملة ورغبته في الزود عنها، لم يرق لي الوضع بأكمله.

أيام البراءة والسذاجة، كنتُ أعتقد أن الكتابة لمُحبيها إنما هي نشاط إنساني شأنه شأن الشهيق والزفير، تَخرج من صاحبها بشكل لا إرادي، وبالتالي يكون السؤال عن القيام بها درب من دروب الحماقة، إلا أن تتابع سِنو العُمر التي بيّضت الشعر وسوّدت القلب أودت بي إلى ملتقى طريق رأيت به في عبارة أورهان قدرًا من الوجاهة.

ولماذا أكتب؟

أكتب لأنني ألاقي كل يومٍ عشرات الكذبة والمنافقين والمدعين وضائعي الموهبة الذين تقلدوا زمام مجتمعنا بمعجزة ما وصاروا “نُخبته” وأكتفي بالابتسام في وجوههم وتبادل العبارات المقتضبة معهم بدلاً من صفعهم على كلا الوجنتين تأنيبًا، لأن لساني لم يُسعفني في قول خبيئة الأنفس والله بالعالمين أعلم وأقدر.

أكتب لأن اللباقة الاجتماعية تُحتم عليك أن تٌخفي معظم ما تراه، وأن تكتم بصدرك جميع عبارات التعجب والاستنكار والاستهجان التي تود لو تلفظها يوميًا ولا تستطيع.

ولماذا أكتب؟

لأن مرور الخبرات يضعك في تجارب تُظهر لك مالم تكن تتخيله، ويجعلك في أمس الحاجة للتعبير عنه بأي صورة، وترى نفسك تنعزل عن المجتمع بالتدريج، فلا يكون أمامك إلا الكتابة تنتقم فيها من المديرك الوغد والجار المتحذلق والزميل اللص والصحفي الفاشل والكاتب البصباص، تُظهرهم فيها على حقيقتهم، وتقول لهم كل مالم يسعفك لسانك على قوله.

لأن الورقة البيضاء والقلم صارا هما الملاذ الأخير، لتفريغ الصدر المكبوت، الذي يحمد الله أن قلمه أقل أدبًا من لسانه وإلا لانفجر صاحبهما مكتومًا من زمن.

ولأن الواقع صار أكثر خبلاً من أن تقبله، فكان الهرب بتحويل شخوصه إلى رواية شيئًا أكثر منطقية، فما دامت حقيقة الحقيقة أمرًا أصعب من التقبل، فما عليك إلا بالتمسك بالعبارة التركية التي تعدك بأن ما تعتبره حقًّا لن تحمل همّه وحدك، ولن ينوء به صدرك منفردًا، بل ستفرزه في رواية أنيقة لطيفة، يعتبرها كل مَن يقرأها سحرًا أدبيًا ومشاركة لطيفة منك لقرائك بذكرياتك، وستعتبرها أنتَ تطهيرًا لابد منه للذات بعد أن فاض عليك وكفاك، هي أقرب إلى عملية “قيء” فِكري ضروري وحتمي، وإلا أصبت بالتسمم.

الكتابة هي النشاط الإنساني الوحيد، الذي يُمكنك من أن تصرخ بلا صوت، أن تسبَّ بلا خطيئة، أن تنال من أعدائك بلا عقاب، هي الوجهة المثالية لك كي تلفظ كل بداخلك، وأن ترضي غرورك بإيقاد المسحة الإلهية المجنونة الكائنة في أعماق كل كاتب، يُحيي ويُميت، يُذل مَن يشاء ويحيي من يشاء من أبطال رواياته المغزولين بالصلال على أصابعه كيفما أراد.

ما أستبشره في نفسي على الرغم من ضبابية دوافعي للكتابة، ألا يبقى الحال كما هو عليه، وأن تتحول الكتابة من نشاط إنساني لصبي لا يجد من يُردعه إلى مهنة لكاتب يعول زوجته وأطفاله، فتتحول صواريخه النفاثة التي تستحثه على الإبداع من منابع فنية صرفة، وإن كانت كئيبة، إلا سياط بنكنوتية لا ترحم.

أخشى ما أخشاه أن أكتب هذه المقالة يومًا وتكون إجابتي، إن حافظت على صدقي مع ذاتي، أن أجيب بأنني أكتب لأن المقال الواحد بمائتي جنيه وأنا أحتاج لعشر مقالات على الأقل في الشهر كي أتمكن من إطعام أطفالي، ولأن ترس المطبعة لا يرحم ولا ينتظر فعليّ أن أعصر الخلايا وأشحذ المخ فقط كي لا يفوتني قطار السبوبة وينال خيره واحدٌ كان أكثر سرعة.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة