التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: عبد الرحمن مقلد

الكالتب عبد الرحمن مقلد
عبد الرحمن مقلد

في لحظة غير مجيدة ووقت غير ملائم للقصيدة العربية، يكون السؤال “لماذا تكتب” ذا جدوى حقيقية، وليس سؤالاً لإجابات كثيرة، منها ما هو ذا نزعة شخصية “أكتب لأحقق ذاتي أو للمتعة التي يحققها الفعل ذاته”، ومنها ما هو ذا نزعة مجتمعية مثل “نكتب لانتشال المجتمع أو للرقي بالشعب وغيرها”، ومنها ما هو ذا نزعة كونية “أكتب للإجابة عن أسئلة تتعلق بالوجود”.

في لحظة كهذه يبدو هزليًا التمسك والاعتزاز بلقب “الشاعر”، بل ويصل الأمر بالنسبة لى شخصيًا، أن يكون الشعر هو السيد الذي تسير كعبد خلفه، هو الذي جعلني أغادر قريتي وأهلي وورش الأثاث التي عملت بها لسنوات كنجار وغيرها من المهن المرتبطة بها، جعلني أترك فتاة ارتبطت بها من أجل قصيدة، رأت فيها تجديفًا، ورفضت أن تعامل القصيدة إلا كملكة متوجة، ووقفت وحدي في وجه أهلها مُدافعًا عن الشعر في موقف عبثي، وحين خُيرت بينهما، اخترت بكل يقين الشعر، وهو ما جعلني أشترط على زوجتي ألا تضع نفسها في مقارنة مع القصيدة مهما حدث، وللحقيقة هي تعوَّدت على أن الشعر هو الضيف المرحب به في أي وقت، والذي لا أعز منه في بيتي، وجعل ابني الصغير ذا العامين يرد حين تسأله “أنت شغال إيه”، بكل عزة وأنفه ورأسه مرفوع “شاعر”.

لا أكذب ولا أدعي حين أقول “إن القصيدة هي النداء الذي سرت وأسير خلفه، حتى موتى، بل وصل بي لما أظنه هوسًا وجنونًا” أقول هذا في وقت ليس وقت الشعر، وكيف تجد القصيدة قارئًا أو متيمًا بها، في حين لا يتجاوز عدد الذين يجدون القراءة أو الكتابة باللغة العربية الفصحى أصلا حاجز الآلاف في مصر، وعلى الأرجح تقتصر فئاتهم في (عدد من المشايخ ودارسي علوم القرآن، وهؤلاء لا علاقة لهم بالشعر ولا الأدب، وما يقل عن نصف الكتاب والنقاد والأكادميين المختصين بالشأن اللغوي والثقافي بالأساس، و10% من الصحفيين والإعلاميين ومقدمي النشرات الإخبارية، وفي الآخر من رحم ربي من أبناء الشعب الذين أصابتهم لوثة اللغة).

ما بالك يا عزيزي الشاعر والأديب الذي ستطالع هذه الشهادة بقراءة القصيدة الحديثة، التي تستلزم دربة وخبرة جمالية مكتسبة وفطرة ناقية، ودارية واستعداد لم يتشكلا للأسف بشكل يفي بقراءة الشعر بشكل جيد.

مؤخرًا حضرت حفل تكريم واحتفاء بتجربة شاعر كبير من أهم شعراء مصر، ولم يحضرها إلا 10 أشخاص، وذلك رغم الأخبار التي ملأت الصحف والمواقع على الإنترنت، وهو ما دعا شاعر كبير آخر لطرح سؤال واستعجاب “شاعر مرموق مثل… لا يحضر حفلا خصص لتكريمه عشرون شخصًا”.

كل هذا الشغف بالشعر أحيا به يا صديقي، في حين يمكنك أن تذهب إلى أية مكتبة أو دار نشر في القاهرة، وأسألهم عن آخر ديوان فصحى بِيَع لشاعر في مصر، وما اسم هذا الشاعر، وعن تجربتي الشخصية كثيرًا ما تأملت أرفف إحدى المكتبات الشهيرة في وسط البلد بحثًا عن الشعر إلى أن وصلت للمكان المخصص له وهو في آخر ركن من أركان المكتبة المتسعة، ويبدو أن يدًا منذ زمن لم تمتد لأحد الدواوين المسكينة المتراصة عليه وتعلوها الغبار.

ما سبق يضاف إليه العديد من الأسباب التي تجعلك تفكر مائة مرة قبل أن تقترب من قلمك أو حاسوبك للكتابة، ومنها ما ترى من تفاهات تُكتب باسم الشعر، ومنهم من نشر كتابًا صنفه كقصيدة نثر في حين أنه عرضه على بعض الأصدقاء، ومنهم كاتب هذه السطور، على أنها محاولات لكتابة قصص قصيرة، ومنهم مثلا من أطلقوا عليها شاعرة عربية تعيش في مصر، ومثلت دولتها في مهرجان القاهرة للشعر العربي، وهي لم تكتب حرفًا، لمجرد أنها تكترى البعض، ومنهم منظم ندوات شهير.

كل ما سبق، يجعل الإجابة على سؤال “لماذا تكتب” جد شاق، إن لم يكن هزليًا، لأن الكتابة في رأيي ليست في حدها فعلا ممتعًا، والأكثر متعة منها القراءة، أو مشاهدة السينما، أو غيرها، كما أن العنصر الآخر الذي هو المتلقي أو الذي تكتب ليقرأ، غير موجود، أنت في واد وهو في وديان أخرى، ولا ألوم عليه، وأقول ذلك دون استعلاء أو مقولات يرددها البعض مثل “الشعراء في برج عاجي، أو منفصلين عن المجتمع”.

كما أن الرهان على المستقبل، لا يبدو في صالحنا، ويبدو أن مقولة الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر “أكتب لمن سيأتي بعد 50 سنة” لن تتحق، ولو انتظرنا آلاف الأعوام، طالما نحن نعيش في هذا النمط، الذي جاهدنا لنخرج منه، لنجد أنفسنا في بئر عميقة نصارع لنصل للنمط الذي كنا عليه.

وفي الآخر، نعم يبقى من ما تكتب من أجله، يبقى أن “الشعر هو السيد الذي نسير خلفه”، تبقى الغواية وما أدراك ما الغواية، يبقى الشعراء الذين تشاركهم متع الكتابة والاستماع للقصائد.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى