التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: باسم شرف

الكاتب باسم شرف
باسم شرف

لا أعرف السبب الحقيقي وراء الكتابة، والسعي وراء خيالاتها المبهمة والغامضة. كنت أعتقد وأنا صغير أني سأكتب لأغير العالم، وظللت أكتب وأكتب والعالم لم يتغير وليس لدي ما أقدمه للعالم لكي يتغير بالطريقة التي أرتاح لها، وأعتقد أنها أصبحت جملة ساذجة لا تناسب العالم الآن، فالحروب وحدها قادرة علي تغييره، لكن الأفكار والجمال والأديان هي رومانسية تناسب طفلاً يحرك أطرافه لأول وهلة ليكتشف العالم، وفور سماعه صوت الرصاص يبحث بعينه عن المكان الذي يأتيه منه الصوت ويظل يبحث طول عمره حتي تأتيه مباغتة رصاصة ولن يسمع أصواتًا بعدها.

قلت: “أنا اكتب كي يحبني أصدقائي أكثر” كما كان يرددها ماركيز، وظللت أكتب ولم أكتسب صداقات بفعل الكتابة، ولكني اكتسبتها بفعل الحياة والصدفة، أعتقد أنني لم أترك شيئًا يذكر ذا قيمة بعد موتي، كل ما حدث أنني عشت الحياة فقط مثل أي مواطن غير صالح، عبثت بها ولعبت بي، ولم أدرك هذا إلا وأنا على مشارف الأربعين، مساحة بائسة باقية أتحرك بها، محدودة، تجعلك تتذكر كل الذين رحلوا في سلام دون أن يتركوا جرحًا في قلب الحياة، رحلوا بهدوء المقاتل الخاسر، وأنا المقاتل الخاسر الذي صمم أن يخوض المعركة لآخرها.

تذكرين حديثي عن الأحلام والتي يجب أن ندللها لكي تكبر معنا ونقدمها قربانًا للزمن؟ هذه الأحلام شاخت قبل أن تتمدد خريطة التجاعيد في أجسادنا، كنت تضحكين وتقولين: مجنون أنت، الأحلام لا تشيخ ولكنها تتجدد. وكنت أبتسم بنصف وجهي ساخرًا من نظرتك للحياة، كانت أكثر ذكاء مني، كنت تعرفين الحياة أفضل مني، أنا كنت مجرد ساذج ينظر للعالم برومانسية فقضت عليه الحياة بقسوة، كنت أكتب يا سلمى وأعتقد أن كتبي ستعيش معي، ولكنهم حولوا الأمر لبضاعة استهلاكية، ستموت أعمالك فور موتك، لأنك لن تكون “بيست سيلر” على أرفف المكتبات الكبيرة، ولن يدفع لك شخص لتزويد عدد “الفلورز” في صفحتك الإلكترونية، ستتقلص وتنكمش وتصبح كالبيت المهجور ثم يغلقها الفيسبوك ليضعها مساحة خالية بعد تنظيفها من الركام الذي كان بها ويقدمها لشخص آخر يدفع أكثر.

ولكن في بداية مثل هذا العام أعتقد أن السماء تمطر الآن، أحلام جديدة وناس حلوين ومزيكا لبنك فلويد. وأعتقد أني وصلت لسبب سعي وراء الكتابة، عرفت أنني أكتب لكي أعيش سعيدًا فقط، وهذا في حد ذاته شيء لو تعلمين عظيم، لولاها ما كنت تواصلت معك، ولولاها ما كنت رقصت في الشارع تحت الأمطار سعيدًا فور كتابة آخر قصيدة، ولولاها ما كنت سامحت البعض وتركت مساحة طيبة للتسامح لم أكن أمتلكها، أعتقد أن مثل هذه البدايات كفيلة بتغير العالم كما أراه، فأنا العالم ولا شيء سواي، والآن عرفت لماذا أحتفظ بالوحدة، لأني لا أملك خططًا جديدة لتغيير عالمك أو عالم أي شخص آخر، فأنا مسؤول عن عالمي.

بداية الأعوام قد تبدو سخيفة ولكنها أيضًا تطلعني علي جديد لم أكن أفكر فيه، فمثلاً اليوم كنت أفكر وأنا أعبر الطريق أنه في كل لحظة مغامرة مع الموت أنتصر، انتصاره قد يكون لمرة واحدة ولكني كل لحظة أنتصر عليه وأعيش وأتنفس، لن أستسلم له لكي يحصد نجاحه الذي ينتظره، فأنا القلب الذي قرر الحياة ويحاول أن يعيش (مبسوط). قد تكون بداية أجمل لو وصلني منك خطاب يطمئني أنك بخير. يا سلمي. أنا أحتفظ بكل هدايا المناسبات السابقة التي لم تحضريها معي، مسجلة بتاريخها في الصندوق الكبير أسفل سريري. محبتي.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة