التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: سمر علي

(1)

الكاتبة سمر علي
سمر علي

“السر يُنقش علي أحجار البازلت، بنقوش سرية ثم تضع الشفرة داخل الحجرة الرابعة في قلبك”

لقد عاملت الكتابة في البداية معاملة العشيق، كل الطقوس سرية، الورق مخبأ في مكان أمين أو بمعنى أصح لا يفارق حقيبة يدي. كانت سرّي الأكبر في مراهقتي، حتي قبل حالة الحب لزميل الدراسة! هي السر الأكبر، فماذا سيقول الناس عني إذا قرأوا ما يتكلم به القلم الأزرق الستادلر؟ الذي كان يروي تنهيدات لشخص مجهول ولحالة لا أعلم عنها شيئًا بدلاً من المذاكرة! كيف تكتب عن الاشتياق والحنين وأنت لم تجرب بحق!

نعم، كان القلم يكتب وليست إرادتي. حين أخط الكلمات على الورق الأصفر في تلك الكراسة بلون البرقوق، كانت يدي يتلبسها عفريت أو جنّي يملي عليّ ما يشعر به.

أشعار تملأ الورق، بالعربية والإنجليزية، حكايات عن رحلات لم أذهب إليها، صور لأماكن أود زيارتها، الكثير والكثير. لكن ما تملك منّي تماما وقتها كان الشِّعر- أو ما ظننته وقتها شعرا! حتى فهمت بعدها بسنوات ليست بالقليلة، أن الشعر ألوان وروائح، وأن كل بيت أكتبه لابد أن أشعر بلمسته على روحي. ليس الكلام الموزون شعرًا لأنه سر الأسرار في الكتابة! كيف تذهب روحي إلى أبعد نقطة داخلي وتشعر أنت أنها أقرب نقطة في الكون؟؟ وكيف يأخذ الشعر عيني دائمًا إلي أشياء لم أفكر أن أنظر إليها من قبل؟؟

(2)

“عرف البعض أنني أريد أن أصبح كاهنة في ذاك المعبد، الموجود على أطراف المدينة”

تملكت مني إلهة الكتابة تمامًا، سيطرَت سيشت عليّ حتى أصبحت حين أبتعد عن أوراقي، أمرَض. وعندما ابتعدت أنزلت عليّ غضبها!  فأصبحتُ أدور في طرقات عقلي بلا توقف، كأنني أركب الملاهي لمدة أيام ثم أحاول النزول والمشي على قدمي كأن شيئًا لم يكن.

وكلما إبتعدت، قلت قدرتي على التنفس.

إحساس الحنين لشيء مجهول كان مسيطرًا علي. كنت أشعر به في المنطقة بين رقبتي وقفصي الصدري، كأن هذه المكان أصبح فارغًا، لا يوجد به شيء. والبكاء أصبح صعبًا.

وسُجنتُ في تلك المنطقة حوالي ثلاث سنوات، لا أقترب من الورق.

كيف لشخص عمليّ أن يكتب؟ لا! الأفضل أن أنظر إلى مستقبلي الطبي! وأن أنسى الفن، أنسى الحروف التي ترتبط ببعضها البعض فتصنع بهجة غير معلومة المصدر- لكن لا، الحروف فقط تتشابك لتكتب أسماء المرضى والأدوية!

وكأني كنت أجري ثم وقعت على وجهي .خذلني جسدي. فقدت القدرة على الوقوف مرة أخرى، ومن هناك أسمع أصوات الطبول قادمة من المعبد، أرفع رأسي وأبكي.

(3)

“المعبد لا يغلق أبوابه أبدًا في وجه الكاهنات”

لكي أتخلص من دقات قلبي السريعة التي لم يستطع أحد تشخيص أسبابها، وتلك الكوابيس التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صحوي قبل منامي: كلاب سوداء تجري ورائي أينما ذهبت!، جلستُ على صخرة عالية أمام البحر محاولِةً التنفس بهدوء. شعرت أن الهواء البارد لم يدخل إلى صدري من قبل، وفي الزفير أخرجت كل العفاريت التي أقدر على محاربتها في الوقت الحالي محتفظةً بباقي العفاريت لوقت آخر، طاقتي لا تحتمل الهزيمة!

لم تكن معي أوراق صفراء، فقط دفتر تعلم اللغة الإسبانية. أمسكت بالقلم البنفسجي وخططت أول قصيدة، تلك التي كانت تتحدث عن دخان أسود كثيف يحتل تلافيف مخي، ثم أقوم بالسيطرة عليه، فيخرج من أذني ومن أنفي ومن فمي، كأفلام الرعب عندما يتخلص الممسوس من الجن علي يد كاهن، يرمي على جسده المياه المقدسة.

(4)

“تقوم الكاهنة بتغطيس جسدي في البحيرة المقدسة، ثم ألفّ جسدي الواهن بكتان أبيض”

أنظر في المرآة، أجد بشرتي رائقة، كأنني فرغت لتوّى من ممارسة الحب.

أنظر إلى الأوراق المتناثرة حولي، تملؤهها الكلمات بألوان مختلفة: هذه قصيدة كتبت بالبنفسجي، وتلك حدوتة كتبت بالأخضر الزاهي. أصبحت أقرأ الكتب كأنها اكتشاف النار!

وعلمتُ أن بداخلي جزءٌ كبيرٌ يحمل الاشتياق والعشق لأوراق البردي الخشنة الصفراء، التي تحمل أسرار وتُلفّ بعناية تحت رعاية الكهنة.

هناك، في غرفتي ذات الحوائط الزرقاء، التي خططت على جدرانها أشعار الرومي وابن عربي وابن الفارض ومصر القديمة، في ذلك المكان الذي يحمل هواؤه رائحة بخور الصندل، أجلس على الأرض، أطلق العنان لشَعري البني الطويل، أمسك بالقلم وأترك كل ما يقلقني على العتبة الخارجية… وأكتب.. فقط أكتب.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى