التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أحمد شوقي علي

الكاتب أحمد شوقي
أحمد شوقي

أدير ظهري لزوجتي النائمة، أو لا أديره؛ قد أستلقي عليه بيد أسفل الرأس؛ لا؛ الأخيرة وضعية خاطئة، يحتاج العفريت مساحته الخاصة بيني وبينه، إذًا سأدير ظهري لزوجتي، ولكنه عفريت ويمكنه صنع المساحات الخاصة التي يريد أينما يحب، أستلقي على ظهري إذًا، لا بل أذهب إلى المرحاض وأنتظر لعله يتجلى هناك، من أسفل، بالقرب من ساق الحوض، ربما، ولكني أبتغيه جنيًا طيبًا، والمرحاض تسكنه الخبائث، أعود إذًا إلى السرير، سيظهر -بالتأكيد- من بين الكمود والوسادة.

  • “هل أنت متوعك يا أحمد”، تقول زوجتي التي أقلقها فركي المتواصل.
  • أرد “لا”.. “بس، لو يظهر لي العفريت”.
  • أي عفريت؟
  • الجنّي الطيّب الذي سيحقق لي طلباتي الثلاثة.

في الحقيقة سأطلب منه أمنيتان، الأولى: أريد سبعة ملايين دولار في بنك بسويسرا؛ كنت في البدء أريد مليونًا واحدًا فقط، ولكني أدركت أن مليونًا لن يفعل شيئًا هذه الأيام، والثانية: ألا يأتي منحي هذا المبلغ على حساب تدهور في حالي أو حال أي شخصٍ من أسرتي أو في مقابل السعادة، وأما الطلب الثالث فسأتركه؛ العفريت بالطبع سيقول لي لك أمنيات ثلاث، وأنا أريد اثنتين، لذا سأترك له الثالثة كرمًا مني.

أكره المواصلات، خاصة المتعلقة بطريق العودة، وأتمنى لو أن الإنتقال سهل مثلما تبدي في فيلم “The Adjustment Bureau”، حيث كان “مات دامون” بطل الفيلم يستطيع أن يتحول من مكان لآخر بمجرد أن يلف أكرة الباب الكروية عكس إتجاه عقارب الساعة، لكن ما يصعب الأمر، بالنسبة لي، ويحول دون تحقيقه، أن أكر البيت والعمل جميعها مستطيلة ولا تلف لا مع الساعة أو عكسها؛ لذا أفضل في طريق عودتي إلى المنزل أن أستقّل العربة الثانية للمترو، حيث أنزل تمامًا أمام سلم المحطة العابر بين خطّي “المرج و حلوان”، يمكنني، وعلى عجل، أن أفوت العربة الثانية فأركب الثالثة أو حتى الأخيرة، ولكني أبدًا لا أستقل العربة الأولى، حتى وإن كانت فارغة وباقي عربات القطار مكتظة بالراكبين، فأنا أكره العودة إلى الوراء حتى لو كان ذلك مجرد بضع خطوات إلى السلم العبّار.

وفي كل مرة أصعد السلم، وأحيان كثيرة أصعده وعلى كاهلي غُلب اليوم كله، أتمنى لو أستطيع القفز والدوران في الهواء كحرف إكس، ممطوط الأطراف قليلا، فأعبر طرفي السلم في سرعة وسهولة، ولكني أعود فأقول إن تمني ظهور الجنّي الطيّب لهو خير وأبقى؛ سأطلب منه 7 ملايين دولار؛ أشتري بهم بيتًا في إسبانيا، ريف برشلونة تحديدًا، ولو أن زوجتي تكره الريف، إذًا سأطلب من العفريت أن ترضى زوجتي بالبيت الريفي.. لكني هكذا لن أتخلى عن أمنيتي الثالثة وأتصدق بها عليه؛ إن كان جنيًا طيبًا سيكفيه أن أتمنى أمنياتي الثلاث فيحققهم لي بكل ود.. إذًا سأشتري البيت وأطلب رضاء زوجتي، وباقي الأموال سأترك منها 5 ملايين كوديعة أعيش على ريعها، والمتبقي بعد ثمن البيت في برشلونة سأصرفه ببذخ، ولكن إذا حدث ذلك كيف سأقنع أهلي بمشروعية هذه الثروة الجديدة؛ هممم.. سأطلب من العفريت أن يدبر لي جائزة أدبية ما، كغطاء لتلك الثروة، ولكن هكذا صارت الأمنيات أربع… لا ليسوا  كذلك؛ سأطلب منه المال وغطاء الجائزة التمويهي في أمنية واحدة، ولكن أي جائزة عربية لن تغطي تكاليف شراء بيت في أوروبا والعيش ببذخ… يمكنني أن أقول لعائلتي أن طاقة من الحظ فتحت لي، وجاءني عمل في أوروبا، ولكن أي عمل وأنا لا أجيد غير اللغة العربية ونتف من الإنجليزية؛ هممم؛ عمل في معهد العالم العربي بباريس، وتحديدًا في معهده الخاص بتعليم اللغة العربية بمارسيليا، وفرنسا أيضًا في أوروبا، ولن يبحث أي من أهلي وراءي، وبعد كل ذلك؛ شراء المنزل وتلفيق الجائزة والعمل في معهد العالم العربي، سأرتدي جميع ملابسي من الكتان وأجلس في حديقة منزلي الريفي وأتفرغ للكتابة.

ولكن أبعد هذه الرفاهية المستجدة، هل حقًا سأكتب؟ أعتقد ذلك.. فالكتابة لم تكن يومًا رفيقة “العوز” على إطلاقه، ولا “الطمأنينة” على إطلاقها، إذن لماذا أكتب؟ أتخيل أن أصدق إجابة عن هذا السؤال هي الفعل نفسه: الكتابة، وأصدق الأفعال في حياتي هو البحث عن الجنّي الطيّب… “بس يظهر”!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى