التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: غادة قدري

الكاتبة غادة قدري
غادة قدري

حقيقة أنا لا أعرف لماذا قررت العودة إلى الكتابة، ربما لأنني حاولت منذ قليل تذكر بدايتي معها ولم أفلح في تذكر شيء محدد، ببساطة لأن مُعظم ما كتبته ضاع.

لكن يقيني أن تلك الكتابة البدائية التي مارستها في طفولتي كانت تشبه الصرخة، حاولت أن أكتب لأفرغ شحنات من الغضب أحيانًا، وأحيانًا أخرى لأتخلص من تداعيات فكرية وأمور فلسفية شغلتني بلا إجابات مقنعة.

كنت في طفولتي أُدون ما أكتبه في كراسات مدرسية، حتى التقيت صديقتي زينة شبلاق، وكنا وقتها تلميذتين في المدرسة الثانوية وبدأنا مشروع كتابة رسائل متبادلة بيننا أطلقنا عليها “كلام بنات”..

استمر”كلام بنات” نحو ثلاثة أعوام كنا نتبادل فيها رسائل مكتوبة بلغة شعرية مليئة بالسجع، ومليئة بالتساؤلات حول العالم الذي نعيش فيه كفتاتين مراهقتين جميلتين إحداهما من الإسكندرية والأخرى من فلسطين، جاءت بهما الأقدار في مكان يشبه السجن، وزمن لم يكن متاحا فيه استخدام الإنترنت بسهولة، كانت رسائلنا مليئة بالتفاؤل والغضب والثورة، ومعبأة بالتساؤلات، مذيلة دائما بعلامات استفهام عن الجزء المجهول من الحياة الذي طالما تمنينا أن نعيشه ونحن متلحفتان خلف حجاب قهري ارتديناه ونحن طفلتان دون أن نفهم.

مهلا.. لست بصدد مهاجمة الحجاب، الأمر ليس بهذا السوء، وليس عيبًا أن ترتدي المرأة حجابًا، لكن العيب أن تعاقب طفلة أو فتاة وتجبر لارتداءه دون أن تفهم لماذا؟.

دعوني أعود لسياق الرسائل الوردية التي كتبتها بصحبة زينة، كانت ضمن أسئلتنا الوجودية التي طرحناها لماذا تحمل هي ملامح مغايرة عن ملامحي؟ وهي ترد بنفس السؤال حول شعوري بدرجة لون عيناي المغاير وشعري الطويل وقتها.

لماذا لا يتركون لنا مساحة للتجربة وخوض قصص الحب لنتعلم من انتصاراته واخفاقاته؟

كيف كانت إحدانا تكفكف دموع الأخرى في رسالة وتخبرها عن وعد الصابرين والصمود أمام التحديات، وعن المجهول المقبل والذي لن يراعي صداقتنا.

ستبتعد كل واحدة بعد فترة إلى بلد بعيد وفي وقت لم نكن نتصور فيه معنى أن تبتعد صديقتين لم تجربا أوجاع الحياة التي تفرق الناس وتعزلهم بالسفر والموت وانقلاب المشاعر واختلاف الجنسيات.

افترقنا بالفعل وبعد سفري لدولة بعيدة لم تتوقف الرسائل بيننا لكنها أخذت في التأخر حتى انقطعت بشكل مفاجئ بفعل النسيان.

لم يكن هناك بديل بالنسبة لي في الغربة الجديدة حتى التقيت بفتاة أخرى، هي السكندرية دينا عادل، لنستكمل “كلام بنات”

استمرت رسائلي بعد ذلك مع دينا، وفتيات أخريات لسنوات، على نفس النهج، أذكر أن تدوين تلك الرسائل كان يتم تحت ظروف غاية في القسوة فلم يكن مسموحا بالتعبير عن حياتنا أو مشكلاتنا، وكان العقاب مصير من تقع الرسائل في يد والدها.

إلى الآن لا أعرف السبب، لكني لن أنسى رسالة من تلك الرسائل جمعتها من صندوق القمامة بعد أن مزقها والدي أطال الله في عمره، وحاولت لملمة كل أشلاء الرسالة والقصاصات الممزقة وأعدت تكوينها واحتفظت بها  لأعيد نشرها بعد أكثر من عقد، متحدية بذلك أبي الذي منعني وقتها من الكتابة.

وضاعت الرسائل مرة أخرى، وضاع تاريخ طويل وثقته عن مراهقة الفتيات ومراهقتي، ولم افقد اهتمامي بأهمية أن نكتب، وأن نسجل لحظاتنا بكل وضوح لنعيد قراءتها بعد زمن ولنجيب عن التساؤلات بعد أن تدخلنا الحياة في سرادبها وتحولنا إلى ذاكرة تختنق بداخلها الأحداث.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى