التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: أريج جمال

الكاتبة أريج جمال
أريج جمال

لستُ أدري، لمَ تذكرتُ مطلع قصيدة نزار قباني “لم أعد داريًا إلى أين أذهب؟”، وأنا أفكر في إجابة لسؤالك “لماذا أكتب؟”، منذ شهر فقط، كان عندي إجابة واضحة وحادة، كنتُ أراها قبل أن أنطقُ بها، رؤى شباك مفتوح على الشارع، رؤى الشارع نفسه، الشارع الذي أحفظه، من طول السير فيه، كنتُ أراني أكتب كما يقول الجميع، كبديل عن الانتحار مثلًا، أو كما يقول يوسا وقاية من التعاسة، الآن، لم أعد أعرف ماذا سأرى حين سأفتحُ شباكي، العالم مُباغت وخبيث، والكرة الأرضية خسيسة بما يكفي للدوران حول نفسها، هذه الخسة، يمكنها أن تأتي بشارع آخر، تحت شباكي، ودون أن أنتبه.

لم أعد أثقُ بالعالم الذي أكتبُ له، ولم يعد بإمكاني أن أُجيبُ بفخر “أكتب لنفسي”. العالم الذي رأيتُه في ألمانيا، الذي انفعل بنصّي، الذي انفعل بألمي في النص، هذا العالم نفسه يسجنني في مساحة ضيقة داخل بلاد يُقال لها عالم ثالث، العالم يسجنني لأنني امرأة تكتب في بلاد يُقال لها بلاد العالم الثالث؛ هُنا حيثُ لُغتي لا تعني العالم إلا بقدرِ احتياجه لفهم كلام داعش مثلًا. هذا لا نجاة منه، الكتابة التي كانت تُعينني على الألم، تتلفت مثلي بالضبط بحثًا عن إجابة لسؤالك، تتلفت دون أن تعرف ما هي الخطوة القادمة، أين سأضعُ رِجلي حين سأنزلُ من الرصيف، هذا إذا نزلتُ سالمةَ.

هل هذه إجابات مُناسبة لسؤال في ملف يحتفي بالكتابة؟ ، بالطبع لا، لكني سأقولُ لك أن الأمر لم يعد بيدي، إذا كان هذا مهمًا بالنسبة لأي أحد، لم تعد الكتابة اختياري، يخطرُ لي الآن أنني أكتبُ حتى تهدأ نوبة القولون العصبي، أظل أكتبُ حتى تعود النوبة أشد إيلامًا وأنهض فقط حين تخف مرّة أخرى، يخطرُ لي أنني أكتبُ لأنني جائعة لارتواء جنسي من نوع لا يبدو إنه يخص الجنس أصلًا، الجنس كما يفهمه الناس، ما يحدثُ أنني أستمرُ في الكتابة حتى أنعزل تمامًا وأدركُ أنني لن أجدُ شبيهي أبدًا، لن نتناول معًا شيئًا يسدُّ جوعنا للجنس، الجنس الذي لم يكتشفه أحد بعدْ، ولا حتى نحنْ، يخطرُ لي أنني أكتبُ كي أتفرج على ألمي مسنونًا ومشدودًا، لكني لا  أعرف ماذا سأفعلُ به؟

وأنا أعملُ على مشروع أول رواية في حياتي، أكتشفُ ما يهدمُ جدران روحي ويبنيها، أسقطُ مرعوبةُ من مظهر الحُطام المُبعثر، هل هذه هي أنا؟ مَنْ هي هذه الأنا؟ مع مشروع روايتي الأولى أعيدُ ترتيب العالم الذي لا أفهمه داخل ملف صغير على الاب توب، في الملف تجلسُ الشخصيّة التي أتتني أول مرة في المنام، بثبات عارف، حين أزيغ عن جمالها تُناديني، تدعوني كي أستمر حتى وأنا لا أفهمُ شيئًا، تزيد عُزلتي، وتشفُّ، وأصغي أنا للنداء، وأكتب، لا أعرفُ إلى متى، لكنني ببؤس مغرور وكما كان يوسف شاهين يقول، أتمنى أن أعيش فقط، حتى أُنهي هذه الرواية، كي ترضى عني التي تجلسُ في رُكن صغير، وتتحكم في باقي الأركان، كي تسعدُ أنني استمعتُ لها حتى النهاية.

كنتُ سأقول لك بنرجسيّة الشعراء، أنا أكتب كي يصير العالم أجمل، لكنني لا أستطيع أن أكذب الآن، إنني لا أعرف لماذا أكتب، والعالم لن يصير أجمل يا صديقي.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة