التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أحمد سعيد

الكاتب أحمد سعيد
الكاتب
أحمد سعيد

مثل كل الصغار كنت أحب فكرة العالم المثالي، المتكامل، الذي ينتصر فيه الأخيار، وتتحقق فيه الأحلام. كنت أحب أن أختلق بعض القصص والأحداث لنفسي، كنت أحاول أن أستعين بالوهم من أجل أن أعدل كفّة الميزان للكثير من الأمور التي تثير حيرتي وفضولي. عدم توازن الكثير من الأمور كان يشعرني دائمًا بوجود خللٍ ما. هناك شيء ما في هذه الدنيا لا يجعلها تسير وفقا للأماني الطيبة والنوايا الحسنة، هناك دائمًا نزعة شديدة للميل في إتجاهات ملتوية أو طرق متطرفة.

عندما كبرت أدركت أن العالم الذي كنت أتصوره ليس له وجود. لكن الصغير بداخلي استمر موجودًا بكل بساطته وأحلامه وسذاجته. ولأني تغيرت كثيرًا عمّا تمنيت أن أكونه، ولأن الحياة طريق شاق وشائك، كان الصغير يظهر كل فترة ليسألني عن سرّ اختلافي عنه، وعن سرّ تبدّل ما كنت أؤمن به وأحبه، ولم أكن أجد الرّد الذي يرضيني ويرضيه.

كنت مثل الغواص الذي يسير بين قاع البحر وسطحه، دون أن يصل لأي منهما، تائه، مضطرب، مجهول الهدف والهوية، وحتى بدون دفقة هواء تعينه على اختيار طريقه وتحديد أولوياته، والإستمرار.

أكتب محاولاً التواصل مع ذاتي، أحاول تفهم العالم وشرحه للصغير بداخلي، الكتابة أصبحت ملاذًا لإختلاق القصص القديمة، وتفريغ لمشاعر خاصة للتخلص من ألم الإحتفاظ بها بداخلي.

عندما أكتب، فإنني أحاول أن أعالج مشكلة خاصة بي، نمت بسنين عمري؛ طريقة تفهمّي واستيعابي لعبثِيّة الحياة. عندما أكتب أحاول أن أجد تفسيرًا لما يجري حولي, لماذا يكرهني البعض؟ ولماذا يحبني آخرون؟ لماذا يظن البعض بي الظّنون وكيف يصدقون استنتجاتهم ويتعاملون معي بعدها كأن تكهناتهم أمر واقع لا يمكن ضحده؟ لماذا يحاول البعض إستغلالي ولماذا أقبل أحيانًا هذا الفعل ولماذا أرفضه في أحيان أخرى؟

عندما أكتب أحاول أن أفهم لماذا نشتم بعضنا في المواصلات العامة؟ لماذا نتواءم مع الفساد وكيف نرضى به؟ لماذا نتخلى عن إنسانيتنا وكيف نتعامى عن نصرة المظلوم؟ لماذا يدعي الجميع أن الحق بجانبهم؟ ولماذا يراهن معظمنا على أن الله في صفه ويبارك خطاه؟ أحاول أن أفهم لماذا نتدهور ورغم ذلك ندعي أننا نرتقي سلّم الحضارة؟

عندما أكتب أحاول أن أجد موقعي في العالم, أرى نفسي بعد أن أتعرى ولا أحاول خداعها, أحاول أن أتبين نفسي كخطّاء بين الخطّائين, ومؤمن بين المجتهدين, كثائر بين الثوار, وخانع بين الخانعين. أكتب من أجل استيعاب حقيقتي, والإقرار بها, وللتخلص من أوهامي حول نفسي وحول أحبائي.

بالكتابة أحاول أن أفهم أشياء وأشياء, لا أدعي أن الكتابة تجيب عن الأسئلة التي تشغلني, فلا أحد يمكنه القول بأن الكتابة هي حل للمشاكل, ولكنها قد تكون وسيلة للتواؤم مع الحياة, للتكيف, للتفهم, وسيلة تعرف بها أنك لست وحيدا, وأن أخرين يمكنهم أن يشاركوك تساؤلاتك وهمومك وحيرتك. إنها وسيلة لرؤية المناطق الرمادية بين الخير والشر من جوانب متعددة, وسيلة لمحاولة تفهم المناطق الظلامية بداخلنا, وقد تكون في بعض الأحيان بداية لتعيين حجم المشكلة وحقيقتها والشروع في إصلاح ما فسد.

عندما أكتب أصل لقاع البحر المتلاطم الذي نعيش فيه, وأدفع نفسي بكل جهدي من أجل العودة لسطحه, وبالكتابة أُعافر من أجل دفقة هواء, حتى تخرج رأسي من بين الأمواج, وأحصل على نفس واحد أستعين به في رحلتي المتجددة نحو القاع, وأصطبر بكتاباتي في تيارات بحر الحياة التي تستمتع بدفعك لتحيد عن طريقك.

أكتب لأجد السلام والطمأنينة وشيئًا من العزاء.

عندما أكتب يستكين الصغير بداخلي, ينضج, وتهدأ أسئلته, ولكن مع الوقت ينتابه الفضول أو يصيبه النسيان, فيعاود السؤال, لأعاود الكتابة بدوري.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى