التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: هند جعفر

الكاتبة هند جعفر
هند جعفر

العنوان نرجسي وأنا أدرك هذا جيدًا وأقصده.. فما الكتابة إلا عملية تحتل فيها الذاتية مشهد الصدارة، وللحق عندما طلب مني رئيس تحرير الموقع سامح فايز مقالًا عن سبب وقوعي في شرك الكتابة “أُسقط في يدي” وهي عبارة فصيحة وإن كانت مستهلكة وعجوز لإدراجها في مقال إليكتروني في الألفية الثالثة.. ولكني في هذه اللحظات التي أسطر فيها المقال لا أجد غيرها لوصف حالي وقتها ..أنا كاتبة وليدة اللحظات وهذا ليس انتقاصًا مني؛ ولكنى أكتب ما يطرأ على ذهني ونادرًا ما أجوِّد النص، أحيانًا أكتب على أغلفة الكتب وإن عجزت عن إيجاد ورقة أكتب على باطن كفي اليسرى، لا أجلس على مكتبي بالساعات لأعصر ذهني أفاضل بين كلمتين وموسيقاهم في النص وأتساءل وأتحير وأذهب وأجيء وأعقد الجلسات المطولة لمناقشة ما لا يلزم .. فقد خرجت الطلقة وليس بعدها حديث.. كما أني أفيض كما تفيض السحب ثم أمسك مطري وأترك ورائي كل شيء .. الكتابة شهوة تجتاحك فلا تستطيع إلا اتباعها ولو كانت جهنم هي وجهتك، نوع من المس لا حول لك فيه ولا قوة، وأنت الطرف الأضعف دومًا في عملية توليد الكلمات.. عندما يكون النص في أحشاءك فأنت مثقل بما تحمله وتحتمله، وعندما يخرج إلى الورق أو إلى الشاشة اللوحية فأنت غالبًا ماتعاني حالة خواء مجحفة، والأفظع ما تواجهه بعد تغلبك على حالة خواءك عندما تفكر في جنين آخر بدأ يتكون داخلك، أو تعانى من عملية عقم طويلة لا تدري لها سببًا.

ولنعد إلى سؤالنا الأساسي لم أكتب؟ يقول مولانا بورخس أكتب لنفسي ولأصدقائي لأسهل مرور الوقت! أي وقت هذا الذي عانى من ثقله أمين مكتبة بوينس أيرس الوطنية ضعيف البصر ونافذ البصيرة الذي أتعب الكُتاب من بعده؟ وهل أجاب بورخس على سؤال لم تكتب أم سؤال لمن تكتب؟ والأخير هو السؤال المنطقي.. لمن أكتب؟ أكتب لنفسي.. لخلق مساحة واسعة أهرب إليها وقت الضيق، ولأنال التشجيع فأنا أحب سماع كلمات الإطراء المعقولة.. أكتب لأخرج شيء ما داخلي لن يخرج إلا بعملية الكتابة.. الكتابة فعل مقدس يحمل نفحة إلهية؛ أنت ككاتب تحاول عبثًا أن تحاكى خالقك، ولكن يظل شعور عدم الكمال هو سيد الموقف، تخلق على الورق ولا ترضى عن مخلوقاتك، منها من يُجهَض ومنها من يتطور وينمو، وأنت تقف بعيدًا ترقب بعين صقر وتدرك من منهم سينال إعجابك في نهاية الطريق وأحيانًا تغير مساراتهم تعاطفًا معهم.. تعرف كذلك من ستتحدث عنه طويلاً ومن ستهمله للأبد.. من سينال التشجيع ومن سيحصد كراهية غير مبررة.. أكتب لأن الكتابة تتيح لي ممارسة ديكتاتورية لا تتاح لي في حياتي اليومية .. أكتب لأن الكتابة متعة مريرة .. متعة تمارسها بكامل إرادتك ورغمًا عنك. أخيرًا أكتب لوالدتي لأطبع لها ما تقرأه تبدي فيه رأيها وإن طالبت بتعديل غالبًا ما أرفض فأنا وحدي سيدة ما أكتب.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع ومن أفضل مقالات ملف الكتابة حتى الآن وإن كنت أختلف مع الكاتبة في كونها نرجسية فهذا لا يعيب الكاتب