التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: طارق أحمد مصطفى

الكاتب طارق مصطفى
طارق مصطفى

في مجتمع متخلف مقموع، متراجع حضاريًا إلى حد البدائية، غاية حلم الفرد فيه أن يلبي احتياجاته الأساسية الدنيا، وأن يظل مقبولاً كفرد من القطيع ليضمن الغذاء والأمان، في مجتمع كهذا سيجد الفرد نفسه مضطرًا على الدوام لأن ينتحل الأسباب ويسوق المبررات لأي فعل يُشتم منه أنه يمارس به تفرده، ويجرب به حريته.

سيكون عليه أن يتحدث عن ذلك الفعل المتفرد – الذي تحرك نحوه بدوافع غير مفهومة لديه غالبًا –  وكأنه يعتذر عما ربما يعتبره قومه مخالفة لتوقعاتهم التى نسجوها من حوله، وطبائعهم التى طبّعوه عليها، بدافع غريزي يحركهم للسيطرة على جموح أفرادهم لضمان استمرار النمط الاجتماعي الثقافي الذي جعلهم مستمرين على قيد الحياة منذ زمن قديم.

وهكذا الحال فيمن قرر أن يمارس فعل الكتابة في مجتمع معتاد على التقليدية، محكوم بالسلطوية، تربى أفراده كذوات مهمشة غير مؤثرة فى الواقع الذي هو أكبر من قدرتهم على التصور، فيجد هذا المتجرئ نفسه مضطراً لتبرير هذا الفعل المريب المسمى بالكتابة، والذي قد يشي بأن لديه نزوع للبروز من القطيع، وربما يجره ذلك إذا ما ترك له الحبل أن يأتي بما لم تأت به الأوائلُ، ويغري -من ثَم- آخرين لينحوا نحوه، ويصنعوا صنيعه، فيصبح تماسك تلك الكتلة البشرية مهددًا بالتفكك والانحلال، فيضطر أن يبرر ويسوق الأسباب ليُترك في حاله يمارس غوايته في سلام.

الكتابة إذًا هي فعل تحرر وتفرد، يشابهه -وإن كان بدرجة أقل- التصوير الفوتوجرافي، الذي عرفه البعض قديمًا بأنه حبس للظل، حيث يثبّت المصور بآلته لحظة ما، يؤكد حضورها على الدوام، يمنحها خلودًا ومكانة لم تكن لتناله لو أنها ظلت مثلها مثل بقية اللحظات تأتي وتمر ويُنسي بعضها بعضًا.

وكذلك الكتابة، تحبس الأفكار وتحفظها من النسيان ومن البلى والنفوق، تأتي بها من المجهول ثم تمنحها الخلود، وترفع -من ثَم- صاحبها إلي مرتبة أرقى، تجعل منه إنسانًا حقيقيًا مقدّرًا لملكاته التي منحها إياه خالقه حينما نفخ فيه من روحه، فجعلته تلك النفخة قادرًا على محاكاة خالقه سبحانه في الخلق والإبداع، يصنع أفكارًا متفردة لم يسبقه إليها أحد من بني جنسه، يكون عقله هو بوابتها للولوج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، يقوم بمهارته ببثها فى اللغة، كما تُبَث الروح في الطين فيصير خلقًا آخر، فتبارك المبدع الأعظم أحسن الخالقين، واهب المواهب.

إلا أنه -بقصد منه أوبغير قصد- يلعب الكاتب دورًا في آلية التجديد والتصحيح الذاتي التي تحدث للمجتمعات، فهو يكتب محاولاً إرضاء نفسه، وملبيًا لاحتياجاته النفسية والمادية، ولكن هناك -فيما يبدو- إرادة ما اختارته دون غيره، صنعته على عينها، وأوجدت فيه تلك الدوافع، وبثت فيه ذلك الشغف، حتي يضع كتاباته، تاركًا أثرها يتسلل وينساب في هدوء، خالقًا وعيًا جديدًا، لن يصبح أبناء مجتمعه قادرين على تجاهله فيما بعد، وسيصير هذا الوعي الجديد حاكمًا على سلوكهم ومحركًا لأفعالهم من حيث لا يشعرون.

من أجل ذلك فإن من يجدون في أنفسهم شغف الكتابة لا ينبغي أن يتوقفوا عند سؤال (لماذا نكتب؟!) مستسلمين لهواجس مجتمع بدائي متسلط خائف من التفكير، وكأنهم يوجدون لأنفسهم خط رجعة إذا فشلت الخطة وأرادوا التنصل من أمانة الكلمة التى تحملوها، لأن الإرادة العلوية التي اختارتهم ستستبدلهم حينها بآخرين، يأخذون الكتابة بقوة، ملقين أنفسهم في أحضانها كلما أخذهم الشوق، متسائلين بدهشة: من ذا الذي يمكنه أن يمنع فكرة قد آن أوانها؟!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى