التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أحمد جاد الكريم

الكاتب أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

كرامةٌ نالها “يُوشع بَنْ نون” حينَ حُبِسَتْ له الشّمسُ، أمسك الوقتَ وأوقفه عن الجريان، كرامةٌ أخرى سَتَتَحَقَّقُ لإبن آدم وهي الكِتابة، فما العلاقة بين الكرامتينْ؟

في الكتابةِ إيقافٌ لنزيف الزّمن السائِل، إيقافٌ ولو مُؤقت، لمساءلة اللحظةِ الفائتة، قبل رحيلها وانطماسها في المجهول، يعمد الكاتب إلى استعادة ما مضى، وما قبع في الذاكرة دون حِراك، كنتُ منذ هبوط كائن الوعي بكل ثِقله عليَّ أتساءل أين ذهبت الدقيقةُ الماضية؟؛ الثانيةُ التي كُتبت فيها أول كلمة في هذا المقال الفخ، أيامها كان القلب بكرًا، لم تُثقله التجارب، والعقل في عُنفوانه لم يهدأ بعد من لا جدوى الأسئلة، وبمرور السنوات أصبح السؤال نفسه ساذجًا، ومحاولة الإجابة عنه أكثر سذاجة، ثمة أسئلة أخرى طَفتْ على سطح العقل، أما القلبُ فحسْبه التجارب التي كسَّرتْ مجاديفه، ثم كان ما كان فصار ما في العقل وما في القلب شيئًا مذكورًا بحنينٍ وباشتياقٍ ولوعةٍ لا تنتهيان.

هل الحديث السابق مناسب للإجابة عن سؤال “لماذا نكتب”؟
أظن أن الإبحار عبر القطبين؛ العقل والقلب، هما المدار الذي تدور حوله محاولة الإجابة، وليس هناك أمل للوصول إلى إجابة مُحدّدة، لو يعرف الكاتب الإجابة لَهدأَ ولم يكتبْ، وما تعرَّض لهذا السؤال، ووقف هذا الموقف الذي لن يحسده عليه إلا الأغبياء.
قُلت إن الكتابة كرامة، وكل كرامةٍ يُصاحبها عذابٌ، يبدأ هذا العذابُ في اللّفِ والدوران للإجابة عن السؤال الذي يَعُدّهُ كلُّ كاتبٍ سؤالًا وُجوديًا، ولا ينتهي هذا العذابُ بمجرد سلوكِ طريقِ الكتابةِ، فهناك عذابٌ آخرُ وهو الكتابةُ نفسها؛ دربٌ طويلٌ لا يبدأ ولا تُريد له أنت الإنتهاء، دربٌ أزهارُه كثيرةٌ، وأشواكهُ أكثر، بلابله صدَّاحةٌ، وغِربانُه مُزعجةٌ، أرضه زَلْقَةُ، حاميةٌ، وظِلالهُ لا تحجبُ شمسًا تحبها وتخاف منها في آنٍ، الدّربُ يسير بك إلى حيثُ لا تعرف، ولكنك تواصل المسير، في المنتصف سوف تتوقّف؛ لتنظر للوراء، هل قطعتَ مسافة معقولة في ذلك الدّرب؟ سوف تُتْبِع نظرتك نظرةً أخرى تحت أقدامك، هل تحركت خُطوةً للأمام؟
الأسئلة تزيد، وأنت/ أنا/ كلنا عاجزون عن الإجابة.
من سيشعر بتزايد الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات؟، “من ذاقَ عَرفَ”؛ عرِف الورطة، الفخ الذي أوقع فيه نفسه منذ أن اختار الطريق هذا.
أحاول إحصاء عدد الأسئلة التي تولدّتْ من السؤال الأول، ذلك السؤال الذي يمكن أن يُشبِّههُ الصديق سامح فايز بسؤال وجودي آخر خاص بالعشاق، لماذا أحببت تلك الفتاة دون غيرها من بنات حواء وآدم، حرام عليك يا سامح سأحاول إجابة عن “لماذا نكتب”، أسهل والله.

كنتُ قد عرضتُ على أصدقاء الفيس بوك هذا السؤال، قال لي البعض إن هناك رسالة يجب على الكاتب أن يوصلها، بقطع النظر عن جدوى وصولها من عدمه، ستقول صديقة مستعينة بما قاله نزار قباني: “إني أصير قبيحًا عندما لا أكتب”، وأضحك في سرِّي أي جمال ممكن أن تُضفيه علينا الكتابة؟ ياااه تولَّد سؤال آخر!

وتُعلّق أخرى، بما ورد في رواية عزازيل عندما قال الشيطان لهيبَا “اكتب يا هيبَا من يكتب لا يموت”
سأصرخ وأقول وجدتها، كأرشميدس، إذًا هو الخُلود، نكتب لنحقق الخُلود، سأموت في يوم ما، ولن تموت كتاباتي، وستبقى رواياتي حتى ولو لم يقرأها أحد، يكفي أنها ستقْبع على أرفُف المكتبات، ولو اختفت في يوم من على أرفُف المكتبات، ستوجد حتمًا في مكتبتي تلك التي ستبيعها زوجتي بعد أن أموت لتجار الورق والروبابيكيا.

سيصاحبني حزنٌ دفينٌ وحسرةٌ مُرّةٌ طالما لم أتوصل لإجابة هذا السؤال، ولكني جادٌ في بحثي  للوصول بسفينتي يومًا لميناءٍ تهدأ فيه، عندها سأكتب مقالًا آخر، عنوانه “لماذا نكتب”.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى