التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: إيناس التركي

الكاتبة إيناس التركي
إيناس التركي

أسير في الطريق، ألمح شيئًا يوحي لي بفكرة ما. ملامح وجه عابر، ورقة من صحيفة ملقاة على جانب الرصيف، أو بركة تخلفت عن غسيل السيارات انعكست فيها صورة مصغرة للعالم المحيط. أخرج هاتفي المحمول من جرابه وأسجل ملاحظات سريعة عابرة. أكمل السير وقد تركت جزءًا مني ورائي في الطريق، يفكر في حكايات يحيكها وشخوص يخلقها لعالم خيالي عشته للحظة خاطفة. يبقى طيف اللحظة سرابًا أطارده. أراجع الملاحظات المسجلة على الهاتف المحمول، أسجل بعض الملاحظات الجديدة على أوراق متفرقة أو في ملف على جهاز الحاسوب المحمول. أشعر بالدائرة غير مكتملة وتعذبني رغبة غلقها واتمام الحكاية في نفس ذات اللحظة التي أشعر فيها بالدائرة تحكم الإغلاق حول عنقي وتخنقني. تناقضات ستظل مرتبطة بفعل الكتابة بالنسبة لي.

حتى تعبير “فعل الكتابة” أشعر به يحمل تناقضًا في طياته، حيث أن الكتابة بالنسبة لي على الأقل ليست فعلا بقدر ما هي فاعل والكاتب مفعول به وأداة لها. تعذبه الحكاية ويطاردها ليمسك بها ويطردها من حنايا روحه. الحكاية معشوقة تتدلل. تطارها فتهرب منك. تعرض عنها وتنشغل بغيرها فتدنو منك هي لتغويك ثانية. كلما يئست من مطالعة الملاحظات المسجلة والتفكير في رابط يجمع خيوط الحكاية المبعثرة، شغلت نفسي بخلق من نوع آخر. أتلهي بالأشغال اليدوية المختلفة. أجدني وقد أشرقت في ذهني فكرة جديدة أسجلها هي الأخرى لتسحبني للدوامة من جديد. تعذبني الحروف والكلمات، أتلوى وأنتفض في زار خاص حتى أطرد الأشباح وتحل في أشباح جديدة وهكذا دواليك.

لا أجرؤ على انتحال صفة الكاتبة. هاوية أنا أحسد كل من يملك الخلق بالنغم واللون والحرف. إذًا لماذا أكتب؟ كل ما أعرفه يقينًا أنني لو لم أحول ما أراه من أشباح ملونة عندما أغمض عيني إلى حياة ترويها الكلمات، فسوف تظل الصورة حارقة خلف الجفون والوجع لا يزول. عندما حاولت كتابة مجموعة قصصية لأول مرة وجدتني لا إراديًا أكتب عن وجع مخاض الكتابة ودلال ربات الإلهام اللاتي استحققن عن جدارة لقب ربات البياض لنزقهن وصعوبة ارضائهن حتى يجدن بقليل من اللون يملأ هوة البياض الساحقة. أول كلمات جادت بها الربات لافتتاح صفحات مجموعتي القصصية “التالته آه” كانت الكلمات التالية:

“تململت شهرزاد في جلستها، تثاءبت ثم تنهدت. حدقت الحدقتان في البياض ثم أسدلت عليها الجفون، وأبحرت النظرة إلى الداخل. تعمد الروح بتعاويذ الحروف، تتلوها، تقلبها، تجمعها، تفرقها. تسكر بنبيذ المعاني. تروي الورق بنزيف الحبر، لكن رغم ذلك لا ترتوي لديها شهوة البوح المُشرعة في مواجهة البياض المشرع هو الآخر، باردًا لا مبالٍ لا متناهٍ. بين حناياها تحركت النقاط والحروف، تأكلها من الداخل كيرقات تتغذى على مضيفها حتى لا يبقى منه غير القشرة الهشّة للجسد الخارجي، والبياض حائط صلب لا يلين.”

أتسائل مرة أخرى، إذا كان الحال هكذا إذًا لماذا أكتب؟ علاقة من الحب الممتزج بالألم ونوع من الكراهية تجعلني أتهم نفسي بالجنون والمازوخية. لكنني أعلم يقينًا إنني حال توقفي عن الاستمرار في هذا الجنون الذي أحبه، فإنني سوف أسلم نفسي لجنون من نوع آخر مؤلم دون متعة!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى