التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أمير مصطفى

أمير مصطفى
أمير مصطفى

هذا السؤال المؤرق لكل كاتب -والذي ربما لم يجد له الكثير إجابة مقنعة- حينما واجهني كانت لدي قناعة ثابتة تجاه إجابته تتمثل في الآتي:

إن كلاً منا كإنسان في رحلة حياته قد صادف الكثير من الخبرات والتجارب التي شكلت وجدانه وكونت لديه حكمةً ما خاصة به، هذا حال الإنسان في أي مكان وأي وقت ولكن ليس كل إنسان منا قادر على التبشير بحكمته تلك.

“الحقيقة أن كل منا حكيم بحدود ولكن ليس كل منا قادر على التبشير بحكمته” يوسف إدريس – قاع المدينة.

وهنا يأتي دور الفنان عمومًا، الفنان الذي هو شخص ما أراد تمرير هذه الخبرة التي أكتسبها عبر رسالةً ما والكاتب نموذجًا للفنانين عمومًا هو شخص اختار تمرير هذه الخبرة عبر رسالة الكتابة. ولكنها ليست أي رسالة إنها رسالة في زجاجة، رسالة يرسلها عبر الزمان والمكان لمجهول لا يعرفه فقط لينقل له خبرته تلك.

وهنا نجد أن الكاتب / الفنان القديم هو بأصله حكيمًا حاول إيصال رسالته عبر النقش على الجدران في وقت وعبر الخطابة في الجموع في وقت آخر ولكنه اصطدم بمتلقي الحكمة التي يريد التبشير بها.

الفنان القديم وجد الناس ينصرفون عن الخبرة التي خاضها نيابة عنهم ويريد تمريرها إليهم فلجأ إلى أقدم حيلة في التاريخ لإيصال  خبرته وهي تقنية دس السم في العسل، أو بمعنى أدق هو دس الدواء المر في قطعة الحلوى كما لو أنه يتعامل مع الأطفال.

وهنا أصبح الفنان يطرح حكمته الشخصية، أو خبراته التي صنعت تلك الحكمة من خلال عمل فني يحقق في المقام الأول المتعة لمتلقيه، يحقق التسلية أولاً ومن خلالها بعدما استحوذ على عقلية المتلقي يستطيع أن يدس خلال التسلية الخبرة المراد إبلاغها.

نجد عبر التاريخ وهو أول الدروس المستفادة من طفولتنا أن العقل الإنساني إذا استمتع بحكايات الجدات فإنه ينتقل لمرحلة التساؤل في مسار الحكاية ولا شعوريًا يتوحد مع بطل الحكاية ويضع نفسه مكانه ويقرر له أفعاله كما لو كان هو شخصيًا هذا البطل.

وهذا هو هدف الكاتب الأولي، أن يمرر خبرته المكتسبة وتلك الحكمة عبر رسالة من المتعة لقارئ لا يعرفه مغلفة بغلاف براق شديد الجاذبية من المتعة والتسلية.

تلك الحكمة هي حكمة مجردة لا يجب أن تكون عميقة وذات قيمة مطلقة، قد تكون خبرته هي علاقته بالحب ولوعة الفراق عن الحبيب، قد تكون مجرد محاولته لصنع وجبة طعام شهي، قد تكون أي شيء بسيط لكنه أدركه بعد لأي، وحصل من خلال تجربته الذاتية على خبرة ما أراد أن يهديها للعالم من بعده حتى ولو توارى إسمه عنها، تلك الحكمة هي وجهة نظر / أيدولوجية / ثقافية / رأى تجاه الحياة والآخرين، لايجب أن تكون دومًا صحيحة ولا يهم أن تكون خاطئة هي مجرد قناعة شخصية خاصة بصاحبها، ولإن أصل إنسان هو الإجتماعية ومشاركة الآخرين فيما يملكه، ليس بحثًا عن تقديرهم له وليس بحثًا عن شهرة شخصية بل فقط بحثًا عن المشاركة المتأصلة في الوجدان الجمعي للبشرية حتى ولو لم ندرك ذلك، الكاتب اليوم مهتديًا بجدّه الأول الذي لخّص حكمته في الحياة عبر الأمثال الشعبية، قال ما أراده في رسالة بليغة ممتعة وليست جافة كالحكمة المباشرة التي يلقيها في وجهه المعلم الناصح بل اتخذ مكانه بين الناس بتواضع مريح، ليمرر لهم رسالته التي حتى قد لا تحمل توقيعه، وهنا يستكمل الكاتب خطوات الجد الإنساني البكري أنه يمرر خبراته المكتسبة وحكمته الشخصية التي استخلصها من تلك الخبرات خلال عمل أدبي ظاهره المتعة وباطنه الحكمة.

وهنا تواجه الكاتب دومًا إشكالية في صياغة تلك الرسالة، أهمها في المقام الأول هو انصرافه عن المتعة واهتمامه بدس حكمته عبر السطور وهو ما يصرف القارئ عنه لأنه تحول بالنسبة إليه إلى نسخة مكررة من الواعظ العليم الذي يهدي الضالين، غريزيًّا يكره الإنسان النصح المباشر ولا يسمح لأحد معاملته بدونيه، أنه يبغي معاملة الندية، يريد نصيحة الأخ وليس وعظية الأب.

وهكذا يفقد كتاب كثر قرائهم بفعل الجنوح لتقمص دور الأب والأبتعاد عن المتعة، المشكلة الأخرى التي تواجه الكاتب هي بحثه عن أسلوب صياغة عصى على القارئ وتلك مشكلته هو ولا يعيب القارئ جهله مادام أراد التعلم وقرر القراءة لإكتساب خبرات جديدة لم يعاصرها بنفسه.

إذا لم يفهم القارئ -ذلك المجهول القصي- تفاصيل الرسالة فهي مشكلة صياغة لدى الكاتب وليست مشكلة القارئ أبدًا، إن مقولة أن القارئ أو متلقى الفن عمومًا هو شخص سطحي وتافه وجاهل هي مجرد إدعاء يبرر الكاتب خلاله فشله في إيضاح رسالته. إن القارئ بدافع الفضول قرر أن يفتح تلك الزجاجة التي وجدها في البحر ليقرأ محتوى الرسالة، دور الكاتب هنا أن تكون رسالته ممتعة فلا ينصرف عنها القارئ بعدما قرر قرائتها، وكذلك دوره أن تكون الرسالة ذات محتوى يمثل تلك الحكمة التي تجعلها تعلق بذهن القارئ ولا ينساها بمجرد الإنتهاء من قراءتها.

لهذا أنا أكتب “أصوغ رسالة إلى قارئ مجهول تمتعه ويجد فيها بعد المتعة خبرتي التي اكتسبتها نيابة عنه وأرجو أن يشاركني فيها، ثم ألقي برسالتي في البحر تسعى لمن يصادفها”.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. استفدت من رأيك وأعجبنى تماماً …واشكرك على المجهود الذى بذلته فى هذه المقالة

زر الذهاب إلى الأعلى